أجمّع فيها ما تبقّى من حروف
عزيزي الزائر .. مرحباً بك
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

أجمّع فيها ما تبقّى من حروف
عزيزي الزائر .. مرحباً بك
|
||
(1)
هوس النساء بالتجميل موضوع ليس بجديد.. ويفعلن أشياء غريبة في سبيل أن تظهر الواحدة منهن في أبهى منظر.. عدا القليل منهن.. وقد تجد الواحدة سمعت أن (حبوب الجلجلان).. التي تسحق مع القليل من (الحزنبك) المخلوط بـ(البردقوش).. ينفع لحب الشباب.. فتقع فيه بلاد تردد.!!
كنت أتصور أنه لا عجب في دنيا المكياج.. وأنه لا شيء جديد يثير الدهشة في أمور التجميل.. حتى قرأت ذلك الخبر.. الذي جعلني مندهشاً في زمن من الصعب أن يدهشك فيه شيء.. حتى إذا قالوا لك أن هنالك فيل في المحيط الهندي تحول إلى ضفدعة.. ثم نبتت للضفدعة أجنحة طارت بها واستقرت في القمر.. قد تسمع الخبر.. بلا مبالاة.. وتقول:
- أهْـ.. عادي.!
(2)
الخبر الذي أتيت لكم به حتى أخرجكم قليلاً من بلاوي الأخبار التي تحيط بنا هذه الأيام.. والتي على شاكلة (انتحار شابة في ظروف غامضة).. الخبر مفاده أنه في استطلاع في إحدى الدول العربية.. ولا أحب أن أذكر أسمها حتى لا أغتاب الدول.. أن النساء في تلك الدولة يعانين من أزمة نفسية بسبب سخرية أزواجهن من (سواد ركبهن).!.. وأن أزواجهن صاروا يوجهون لهن تعليقات قاسية بسبب (سواد الركب) الذي حلّ بهن..!!
وقد ورد في الاستطلاع أن إحدى المعلمات تشكو من زوجها الذي دائماً يوجه لها انتقاداً حول لون ركبت المزيد
(1)
الفئة التي سأتحدث عنها هم قلة.. وقد لا تكون رأيت أحدهم في حياتك كلها.. من يعرفهم العبد لله أقل من أصابع اليد الواحدة.. وحتى هؤلاء سمعت بهم من بعيد.. إنهم الذين لا يمرضون.. ولم يذهب أحدهم إلى طبيب قطّ.. وقد حُكي أن جماعة من الأطباء ذهبوا إلى مجموعة من القرى في طواف لهم.. أحد كبار القرية المعمرين.. ممن تخطي الثمانين عاماً.. سمع بأن هنالك (دكاترة) دخلوا البلد.. فدخل هو في جلباب له.. وهرول إليهم مسرعاً.. طوال حياته لم ير طبيباً بعين رأسه.. وكانت هذه فرصة لا تعوض.. دخل الرجل على الأطباء.. فحملق فيهم ملياً.. ثم سألهم بدهشة:
- إنتو ياكم الدكاترة البقولوهم.؟!!!
رد عليه أحد الأطباء بدهشة مماثلة:
- نعم نحنا الدكاترة.. اتفضل بتشكي من حاجة.!؟
تجاهله الرجل ثم صار ينظر إليهم بغرابة وكأنهم كائنات فضائية.. أتت من المريخ لتوها.. ثم صار يردد:
- الدكاترة.. ما شاء الله.. تبارك الله.!!
- بتشكي من شنو يا حاج؟!
فأجابه:
- نصيييح زي الحصان أحمد لله.. بس قلت أشوف الدكاترة ديل عاملين كيف.!
(2)
(1)
غادر طيفور قريته الصغيرة (طفّشوها عيال حمّاد).. وتوجه إلى العاصمة.. هرباً من العطالة.. وبحثاً عن فرصة عمل.. اختفى طيفور في العاصمة سنة كاملة.. لم يسمع به أحد.. لحق به صديقه المقرب عمسيب.. هو كذلك سأم من جو القرية.. وقرر أن يجرب حظه في العاصمة.. ذات مرة ركب طيفور حافلة الركاب المزدحمة.. وأتخذ لنفسه أول مقعد جوار السائق مباشرة.. تحركت الحافلة وهي تجاهد لتجد لها مخرجاً من الموقف.. وسط زحمة وسخانة شمس عالية.. وفجأة لمح بطرف عينه صديقه عمسيب الذي كان يجلس في آخر مقعد في الحافلة.. كان بينه وبين عمسيب أكثر من ثلاثين راكباً.. عابسين.. متجهمي الوجوه.. من ضيق الحافلة.. وحرارتها.. وإختلاط الأنفاس.. وبطء المرور.. فجأة صاح طيفور وسط دهشة الركاب:
- عمسيب.!!
لم يسمعه عمسيب.. إذ كان سارحاً ينظر بشباك الحافة.. متابعاً المارة.. فكرر طيفور النداء عالياً.. حتى أنه وضع يديه على فمه على هيئة بوق.. وصاح بأعلى صوته:
- يا عمسيييييب.!!
مع الضوضاء العالية سمعه عمسيب بصعوبة فألتفت إليه مندهشاً.. ثم صاح حتى كان أن يصم أذن جاره في المقعد:
- أووووو.. طيفوووور.. وين إنت يا زول.. أنا لي كم شهر بفتش ليك.؟!
صاح طيفور:
- أنا كويس الحمد لله.. اشتغلت هنا في العاصمة.!
ثم صاح طيفور مخاطباً عمسيب:
- شغال شنو.؟!
- أنا شغال حلاق.!
- ما شاء الله.. وديوانك وين.!
- لا لا .. ما حلاق ناس.. شغال حلاق حصين.!
(2)
طيفور كان يتكلم مع عمسيب بصوت عال والزبد يتطاير في وجه جاره:
- أها.. مرتك (كلتومة) عاملة كيف.!.
عمسيب:
- خليتها في الحلة.. زاتي داير أطلقها.!
هنا قام طيفور من مقعده وصاح:
- حسبنا الله.. ونعم الوكيل.. مالك داير تطلق (كلتومة).. دي مرة طيبة وبت ناس.!
عمسيب بضيق:
- ياخي دي مرة فقُر.!
- وداير تطلقها مالها.. نعل ما فيها عوجة.!
- بتجيب بنات
(1)
على طرف الغابة كانت حشرات (أبو الدرداق) تمارس حياتها الطبيعية.. تنتظر الحيوانات التي تطرح مخلفاتها.. ثم تهجم عليها.. تكوّرها وتدحرجها إلى بيوتها في شكل كُرات صغير.. لتتغذى عليها فيما بعد.. إلا أنها بعد أن ازداد عددها.. أنشأت هذه الحشرات لنفسها مستعمرة صغيرة على ضاحية الغابة.. واتفقوا على أن يسموها (بعرستان).. باعتبار أن حياتهم ترتكز على هذا البعر الذي هو قوام وجودهم.. ولولاه لهلكت من الجوع.!
مستعمرة (بعرستان) كانت في غابر الزمان لديها قوانين تسيّر بها حياتها.. وضعها لهم جدهم الأكبر (بعْرُون الخطير).. هو من أسس هذه المستعمرة.. وسارت على نهجها الدرداقات حيناً من الزمن.. ولكنهم في أواخر أيامهم غيّروا قوانين كبيرهم.. فتشتتوا.. واضطربت أحوالهم.. وحلّت في إناثهم العنوسة.. وفي شبابهم العزوبية.. لم يكن في بعرستان درداق بلغ سن الزواج ولم يتزوج.. لم يسمعوا بالعنوسة والعزوبية إلا مؤخراً.. بعد أن غيّروا القوانين.!
(2)
كان جزء من قوانين بعرستان ينص على الآتي:
- أن يكون الزواج في بعرستان عن طريق تقديم بعرة واحدة كمهر لأنثى أبو الدرداق.. ومن يخالف هذا الأمر يوقع عليه عقاباً صارماً وهو غرامة عبارة عن خمسين بعرة.!
- جميع الدردقات تتساوى كل شيء.. طول الأجنحة ولونها والحجم لا يعطي أفضلية لأحد.. أفضل الجميع هو من يجمع أكبر كمية من البعر في أقل وقت.!
- لا يجوز لأي درداق أن يستولى على بعرة درداق آخر.. ومن يفعل ذلك يعاقب بغرامة ألف بعرة.. تدفع المزيد
(النعيم) و(علوية) اتفقا على عقد القِران بعد أسبوع.. ثم إتمام الزواج بعد سنة.. النعيم هو ابن عمها.. إلا أن معظم الأهل لم يوافقوا على هذا الاقتراح.. جلس الأقارب يتشاورون:
الامين وهو خال علوية:
- ها أناس نحنا ما عندنا عقدا بطوّل.. تم شغلتك كلها سوا.!
النعيم:
- ح نتم العرس بعد الأمور تتحسن.. وبعدين محتاج للقسيمة عشان أطلّع بيها قروش.!
عبد القيوم وهو عم النعيم:
- وإنت ما دام ما جاهز.. المستعجل ليها شنو؟!
الأمين:
- وبعدين يا النعيم العقد البطوّل ده مشاكلو كتيرة.. وفيهو عوارض.؟!
النعيم محتاراً:
- ياتو عوارض قاصد.!
الأمين:
- قالوا لو العقد طوّل احتمال تحصل مشاكل.. أو يموت واحد من ناس البيت.!
النعيم يقول بضيق:
- يعني الزول ده ما يموت إلا بعد أنا أعقد.. أها قول ما عقدنا.. ح يصل المية سنة يعني.؟!
ابراهيم.. وهو من الأقارب:
- لو عقدّت سوق معالك مرتك طوالي.!
النعيم:
- هسي أنا ما جاهز.. لكن بعد العقد بي سنة بس ح أتم العرس.!
بعد مشاورات طويلة.. اتفق الجميع على أن يتم عقد القرآن.. وإتمام الزواج بعد سنة من تاريخه.!
(2)
أصبحت (علوية) زوجة (النعيم) شرعاً.. إلا أنها في نظر المجتمع ليست كذلك.. كان النعيم يرسل إليها بعض المصاريف أحياناً.. وينقطع أحايين أخرى.. لم يكن أهل (علوية).. يسمحون له بملاقاتها على إنفراد بتاتاً.. بل حتى إذا خرجوا للتنزه.. كانت تخرج معهم أخت علوية الصغيرة.. وكانت تلتصق بهم ولا تتركهم لوحدهم حتى يرجعوا.. كانوا يتضايقون من هذه الإجراءات.. ولكن حسب رأي كل الناس أن هذا هو الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالات.!
(3)
تمت السنة ولم تتحسن أمور النعيم.. أجلسه الأهل مرة أخرى.
حاج التوم والد علوية:
- أها يا النعيم يا ولدي.. السنة انتهت وإنت الظاهر ما نجّضت أمورك لسة.!
النعيم يقول خجلاً منكساً رأسه:
- الحقيقة يا حاج.. الأمور لسة ما اتحسنت.. أدونا فرصة كم شهر كده.. وح نجي نتم العرس مرة واحدة.
وافق الأهل على إعطائه فرصة.. ولكن حاج التوم والد علوية رفض أن تخرج ابنته مع النعيم بتاتاً.!
(4)
إنقضت سنة أخرى.. ولم يجهز النعي
(1)
ما إن دخلت أجهزة استقبال القنوات الفضائية قريتهم… حتى أدمنت أسرة حاج التوم مشاهدة المسلسلات.. بما فيهم التوم نفسه.. صارت هذه الأسرة أكبر همّها المسلسلات .. والأفلام مبلغ علمها.. وهم لا يتابعون أي مسلسل والسلام.. ولا أي فيلم من طرف.. بل لا يتابعون إلا المسلسلات والأفلام الهندية ذات الدراما المؤثرة.. التي تجعل دموعك تنهمر من أول مشهد.. إنها أسرة تحب البُكاء.. يتابعون في اليوم أكثر من خمسة مسلسلات.. وعدد لا يحصى من الأفلام الدرامية الحزينة.. وقبل أن يجلسوا للمتابعة.. يجّهزون المناديل.. يناولون كل فرد من الأسرة صندوق مناديل.. وأمامهم سلة مهملات كبيرة.. يرمون فيها المناديل المشبعة بالدموع.!
الأسرة تتكون من حاج التوم وهو رب الأسرة.. مزارع كبير.. ذو وضع مادي ممتاز ويسكن قرية (طفّشوها أولاد مكاوي).. مواهب.. ربة البيت.. موظفة في مستوصف القرية.. ومعهم جدتهم والدة (حاج التوم).. وهي كبيرة في السن.. ولديهم ثلاثة بنات.. الأصغر اسمها (نفيسة).. ثم (كلتوم).. و(نعمات).. وولدين.. واحد اسمه (الطريفي).. والثاني (بانّقا).. منهم من تخرج من الجامعات.. ومنهم من هو في الطريق إلى ذلك.. في ذلك اليوم جلسوا أمام التلفزيون.. بدأ المسلسل.. كانوا يتابعوا بإهتمام.. حتى أنه لو انفجرت قنابل بقربهم قد لا يشعرون بها.. في منتصف الحلقة كان هنالك مشهد درامي حزين.. البطل والبطلة يجلسان على كافتيريا راقية.. على ساحل البحر.. وبقربها سفينة كبيرة تتهيأ للإبحار.. قال لها بصوت حنون:
- خلاص يا نرمين.. أنا ح أسافر.!
تأثر (الطريفي) لهذا المشهد.. وسالت دموعه بغزارة.. أما (نفيسة).. فـ أنفجرت ببكاء حار.. حتى أنها دخلت غرفتها.. (بانّقا) كان يقاوم الدموع.. ولكنه إنهار في البكاء.. أما (نعمات).. و(كلتوم) صارتا تبكيان بصوت مسموع.. حتى أنها أكملا صندوق المناديل قبل أن يقوم أبطال المسلسل من مكان المزيد
المكان : أي جامعة.!
الزمان: في الأيام دي.!
(1)
قال (مجدي) لزميله (خالد) وهما تحت شجرة ظليلة في طرف الجامعة:
- عارف أمس لاقيت منو؟!.
رد خالد:
- لاقيت منو يعني.؟!
مجدي:
- لاقيت (…….) بالصدفة.؟!
رد خالد بدهشة كبيرة:
- يا زول انت جادّي.. لاقيت (…….) عديل.. وللا انت قاصد لاقيتو في الأحلام؟!.
- لاقيتو صاحي شخصياً.. وكمان اتصورت معاهو بالموبايل!!
- يا زول انت متاكد الزول ده مستحيل تلقاهو بالهين.. ده زول مُهم شديد.. وواحد من رموز البلد.. ولو شُفتو من بعيد ساكت.. يكون ليك عظيم الشرف.. وبعدين مع حُرّاسو الكُتار ديل وصلت ليهو كيف؟!.
أجاب مجدي بسعادة بالغة:
- محظوظ والله محظوظ .. والله وفّقني عشان ألاقيهو.. ولاقيتو واتكلمت معاهو.. وقلت ليك كمان وثَقت حياتي معاهو بي صورة.!
- الصورة معاك؟!.
أخرج (مجدي) من جزلانه صورة لـ (………) وكانت مغلفة بالبلاستيك بعناية فائقة.. وناولها لـ (خالد) بحذر شديد.. وهو يحذره من خدشها.!
تناولها خالد مبهوراً وهو يقول:
- انت عارف (……..) أنا بقلّدو في أي حاجة.؟!
- معقول.. أنا زاتي كان وقع البحر أنا وراهو طوالي.. وأي كلمة يقولها بالنسبة لي قانون ثابت في حياتي.!
(2)
خالد:
- وانت سلّمت على (……..) في إيدو؟!!!
- قلت ليك سلمت عليهو.. واتصورت معاهو عديل.!!
- أوعا تكون بس غسّلت يدك؟!.
نظر مجدي إلى يده في حسرة.. ثم قال:
- تصور قررت إنو ما أغسّل اليد السلمت عليهو بتاتاً.. لكن دي عملية مستحيلة.!
- إنت مفترض توثق اللحظة دي بي احتفال عديل.. وتحتفظ بالصورة.. وبعد ما تتزوج تعرضها على أولادك.. وهم زاتهم يحتفظوا بيها عشان يعرضوها على أولاد أولادهم.. ويقولوا ليهم: جدنا (مجدي) لاقى (……….) شخصياً واتصور معاهو!!.
مجدي:
- كمان عندي دفتر كتبت فيهو أي كلمة اتكلم بيها معاي.. ودي بالنسبة لي وثيقة ما ح أفرط فيها أبداً.
- انت لاقيت زول ما هيّن.. الزول ده ممكن بي كلمة واحدة منو يغير تفكير الملايين في البلد دي.!
- فِعلاً!
- وهو من الناس الرّفعو اسم البلد.. حتى في الدول الخارجية.. كان ما
(1)
لم يكن طيفور يتخيل أن هذا الأمر يمكن أن يحدث له هو بالذات.. كان يتصور أن مثل هذه المصائب إنما تحدث للآخرين فقط.. الآخرون هم الذين يهملون في موبايلاتهم.. ويتفاجأون بأنها سُرقت.. ويتحسرون على أسمائهم ورسائلهم وأجهزتهم الغالية التي لن تعود.
في غفلة من طيفور تمت سرقة موبايله.. هو نفسه لم يعرف كيف سرق.. أراد أن يجري محادثة.. فلم يجده.. لم يكن طيفور يهمه التلفون كثيراً بقدر ما تهمه الأسماء.. كان به حوالي الـ الخمسمائة اسم.. طيفور كان متشعب العلاقات.. وفقدانه هذه الأسماء يضرّه كثيراً.. كانت الأسماء عنده قيمتها أكثر من المليون.!
بعد سرقة موبايله مباشرة اتصل طيفور على تلفونه الذي سرق.. على الجانب الآخر رد عليه أحدهم:
- مرحب.. معاي منو.!
طيفور يجيب باندهاش:
- سبحان الله.. كمان معاي منو.. معاك طيفور صاحب الموبايل.. الموبايل دي مسروق مني.!؟
اللص:
- مرحب أستاذ طيفور.. اتفضل.!
- اتفضل في عينك.. إنت مُش الـ سرقت التلفون ده.؟!
يجيبه الرجل بصوت وقور به كثير من التهذيب:
- نعم.. أنا السرقت التلفون.. أي خدمة.!؟
طيفور يضحك باستنكار ويقول في سره:
- هها ههاها.. والله ده حرامي عجيب.!!
ثم يخاطب الحرامي:
- ياخي أنا التلفون ده ما دايرو.. خليتو ليك.. بس بوصف ليك مكان مُحدد خت فيهو الشريحة.. وما داير أشوفك زاتو.!!
اللص يضحك بهدوء:
- ما مشكلة يا أستاذ طيفور.. ممكن نتلاقى.. ونصل لي اتفاق.!
- نتلاقى كمان؟.. اتفاق شنو؟!
- تدفع كم.. أرجع الموبايل بي شريحتو.!
- موبايلي اتسرق.. وكمان أدفع.؟!
الحرامي يتجاهل احتجاجه.. ثم يواصل:
- موبايلك ثمنو بسيط.. مقيم بي مية جنيه.. أدفع إنت خمسين جنيه.. وأنا بتحمل الخمسين التانية.. أما الأسماء دي حسب الاسم.!
طيفور بإندهاش أكثر:
- كيف يعني حسب الاسم.؟!
- ح نصل لي اتفاق بخصوص الأسماء.. بس لازم نتفق على مكان نتلاقى فيهو؟!
طيفور بلهجة غير المصدق يرد:
- كمان نتلاقى وجهاً لي وجه.. هسي كان فتالمزيد
(1)
المهنة التي كان يتقلدها عبد الجبار سابقاً هو أنه (جلّاد).. يتولى جلد المحكوم عليهم بالجلد.. في تلك الأيام كان يأتي البيت مرهقاً.. ويشكو لزوجته (نفيسة) من آلام يده من كثرة جلد المحكومين.. ويتأوه بألم:
- آآآخ .. نفيسة.. من كترت الجلد إيدي ما حاسي بيها.!
كانت نفيسة ذات خلافات دائمة مع عبد الجبار.. مع طلباتها التي لا تنتهي.. وكان عندما يشتكي لها من يده التي تؤلمه.. تجيبه بفظاظة:
- ده ما شغلك.. وأكل عيشك.. مُش أي مجلود بدّوك عليهو علاوة.!؟
يجيبها بزهج:
- علاوة شنو.. إنتي قايلاها كتيرة.. أمس جالد تلاتة سكرانين.. أدوني علاوة بسيطة.. قدر حق المواصلات بس.!
فاجأته نفيسة قائلة:
- وين التوب القلت ليك جيبو لي؟!
ينتفض عبد الجبار:
- يا ولية.. ما قلت ليك الأيام دي الشغل تعبان.. يعني أنا لو في اليوم جلدت عشرين واحد.. ما ح أوفر ليك أي حاجة.. آآخ بس لو القاضي ده يحكم على الناس الماشة دي كلها بي عشرة جلدات.. ح أكون غنيان.. وأجيب ليك بدل التوب اتنين.. لكن صدقيني القضاة ديل الأيام دي حكمهم كلّو غرامات بس.. عشان كده شُغلنا واقف.!
(2)
ثم يسرح عبد الجبار ببصره ويتخيل بصوت عال:
- يا سلااام.. يا ريت بس القاضي لو يطلع برة للشارع معاهو مكرفون وبصوت عالي يقول: (أي مواطن يلتفت يمين محكوم عليهو عشرة جلدات).. بعداك البتلفت يجيبوهو لي أجلدو عشرة جلدات.. وآخد علاوة في كل مجلود خمسة جنيه.. يا سلام كمان لو يقول: (أي واحد يلتفت يمين وللا شمال محكوم عليهو عشرين جلدة).. الداقسين البالمزيد
(1)
دعوني اليوم أخبركم عن السيناريو الذي يحدث عندما تتعين فتاة جميلة في شركة خاصة.. فلنفترض أن الفتاة اسمها (شجن).. ليس لديها أي مؤهلات علمية سوى أنها جميلة جداً.. ذلك الجمال الذي لو رآه أحد شعراء الجاهلية.. لـ أناخ ناقته وكتب فيها ألف بيت من الشعر الجاهلي.. من بحر الطويل.. لم تواصل شجن دراستها.. كل ما لديها شهادة سودانية بنسبة ضعيفة جداً.. أمسكت (شجن) بصحيفة يومية.. فقرأت فيها إعلاناً عن وظيفة شاغرة.. كانت تفاصيل الإعلان كالآتي:
- مطلوب مترجم يتقن اللغة الصينية.. والإنجليزية.. والعربية.. وخبرة خمسة سنوات. ملحوظة: الوظيفة مفتوحة للرجال فقط.!
بعد أن قرأت شجن الإعلان قالت لصاحبتها –دعونا إخوتي نُسميها (نفيسة) هذه المرة-.. قالت شجن لـ نفيسة:
- شُفتي يا نفيسة الوظيفة الـ في الإعلان.. دايرين مترجم صيني- إنجليزي- عربي.. ودايرين رُجال بس.. أنا ماشة أتقدم للوظيفة دي.!!
ردت عليها نفيسة بإندهاش:
- لكن إنتي مش عندك شهادة سودانية بس.!؟
- آي والله.. الشهادة زاتها رايحة.. هسي عندي إلا كان شهادة الميلاد.!
- وكمان إنتي لا بتعرفي تتكلمي صيني.. ولا إنجليزي.!
- صاح.. العربي زاتو في تلتلة.!
- والوظيفة دي قالوا دايرين رجال بس.؟!
قالت شجن في عناد:
- برضو ح أمشي أقدّم.. الشغل ده أرزاق.!
(2)
لبست شجن أفخر الثياب.. استلفتها من خمس جارات.. وبدت وكأنها ذاهبة إلى تمثيل عرض للفيديو كليب على قناة فضائية.. أمام باب الشركة المعلنة عن الوظيفة.. وقفت شجن.. وجدت صفوفاً طويلة تنتظر استلام الأوراق.. لم تكن تحمل أي ورقة.. ذهبت المزيد
(1)
كان طيفور وعمسيب يعانيان من عدم الموضوع.. وقِلّة الشغلة.. حتى أن الونسة بينهم أصبحت قليلة.. لأنهم أفرغوا رؤوسهم وتحدثوا في جميع المواضيع التي يعرفونها.. وفي أثناء سرحانهما.. قال طيفور:
- رأيك شنو يا عمسيب نمشي على الفكي هارون ده نكسّر بيهو الزمن؟!
عمسيب بحماس:
- والله فكرة.. قوماك نمشي عليهو.!
دخلا لدى الفكي هارون.. ووجداه يحيط نفسه بدخان كثيف.. ويتمتم بكلمات غامضة.. جلسا عنده.. وقبل كل شيء أشار الفكي هارون إلى عمسيب وقال له:
- اسم أمك.. واسم أمها.. واسم حبوبتها.!
عمسيب يرد في إندهاش:
- أنا.!
فكي هارون ينهره:
- أيوه انت… سريع.!
عمسيب يرد في ارتباك:
- أمي اسمها الساتر الله بت أم حقين بت الجقمتا.!
يلتفت فكي هارون علي طيفور ويقول له بحدة:
- وانت أمك منو.. سريع؟.!
طيفور يرد بسرعة:
- امي اسمها أم قدمبل بت الراكز الله بت الكال مِدّو زايد.!
فكي هارون يطنطن بكلمات معني: دي أسماء شنو العجيبة دي؟!
ثم طبق عدة أوراق ورماها على موقد البخور وقال بصوت جهوري:
- حييييي… عمسيب ود الساتر الله.؟!
- نعم.!
- انت عاملين ليك عملت عفصتو في البحر.!
- بس أنا ما حصلت مشيت على البحر.. يا الفكي.!!
- ممكن إنت تكون في جوة البيت.. وبرضو تعفص عمل معمول ليك في البحر.. تغالط الخدام كمان..!!
- سبحان الله.. طيب المطلوب شنو؟
فكي هارون يحملق في الهواء مسافة.. وتجحظ عيناه بشكل مرعب.. ثم يصيح صيحة عالية انخلع قلب طيفور وعمسيب.. ويقول بصوت جهوري:
- حيييييي… الخدام دايرين تيس أبيض.. وكيلو بسبوسة.. وعجاج أرنب في كيس.!
عمسيب يكتم ضحكته بصعوبة.. ويحاول أن يكون جاداً بقدر الإمكان ويقول:
- لو يعني التيس ما أبيض عديل.. أبيض بي أسود.. ممكن؟!
- ممكن.. بس يكون سمين شديد.!
- طيب لو ما لقيت بسبوسة.. كنافة كيف.؟!
- ممكن.. بس زيتها ما يكون كتير.!!
- طيب.. العجاج لو ما لقيت عجاج أرنب.. ممكن يعني عجاج عجل.. وللا خروف..
(1)
عندما يجتمع مجموعة من الأهالي ليتفقوا على تسمية قرية ما.. سينتج عن ذلك كثير من التفاصيل الساخرة والمضحكة معاً.. فمعظم القرى التي تحمل أسماء غريبة.. تجد أن أسباب تسميتها بهذا الإسم كثيرة.. وتتعدد فيه الروايات.. لا أرغب في أن أورد لك قرية معروفة بإسمها العجيب.. ثم أخبرك بأسباب وملابسات تسميتها.. لن يكن.. خصوصاً أن هنالك قرى لها أسماء محرجة للغاية.. بل ومن النوع الذي لا يمكن أن يقال على الملأ.. لن أفعل ذلك.. لا تحاولوا معي.. لن أورد قرية بإسمها الحقيقي أبداً.. فهذا من شأنه التسبب في مشاكل عدة للعبد لله.. فلا تستبعد بعد يوم واحد من نزول المقال أن تقرأ في الصحف السيارة إعلاناً عن أن:
- أهالي قرية (شنب البعوضة) و(حلّة إيد الفجلة).. و(حلّة فطّسوها أولاد حمد) يفتحون بلاغاً في الزنديق المدعو (أسامة جاب الدين) لأنه استهتر بقريتهم.. وسخر من اسمها التليد.!
لذلك سآتى بأسماء قرى وهمية.. مع أسباب تسميات وهمية أيضاً.. فإن صادف ذلك اسم قرية حقيقية.. فسيكون ذلك من قبيل المصادفة البحتة لا غير.. وقياساً على ذلك يمكن أن تصل إلى أن كثير من الناس يسمون قراهم بمناسبات عجيبة.. قد تشبه التي سأوردها لكم.!!
(2)
أول بيت كان في ذلك المكان كان بيت (حاج مكاوي).. وسبب اختياره لهذا المكان هو أنه مرعى خصب للبهائم.. وبه بئر ماء.. فلم يمض شهر حتى تكاثرت البيوت بجانب بيت حاج مكاوي.. حتى وصلت إلى أكثر من مائة بيت.. مما صار الأمر يحتاج لأن يطلقوا على هذه البيوت اسم محدد.. يكون هو اسم قريتهم المتعارف عليه من الجميع.. اجتمع كبار القرية في مكان واحد تحت شجرة ما.. ابتدر الحديث (حاج مكاوي) نفسه فقال:
- إنتو طبعاً عارفين يا جماعة أنا المزيد
(1)
اسمه (حسّون حسن حسّون).. موظف بإحدى المؤسسات.. ليس من كبار الموظفين.. بل موظف صراف خزينة.. ذو درجة صغيرة.. وهو مع ذلك مُختلس كبير.. طوال أكثر من خمس سنوات لم يكتشفه أحد.. لديه أساليب شيطانية للهروب من المراجعين.. ومن هذه الإختلاسات استطاع أن يبني عمارة من عدة طوابق.. ولديه عدد من الأراضي.. وعدد لا بأس به من السيارات.. في إحدى الأيام استيقظ فجأة من نومه.. وأحس بتأنيب ضمير كبير.. حتى أنه ندم ندماً كبيراً على سرقاته التي ارتكبها.. وتأسف على الأموال التي نهبها من المؤسسة.. أراد أن يتوب إلى ربه.. بل وقرر أن يرجع جميع الأموال التي اختلسها إلى الخزينة.. حتى ولو كلفه الأمر بيع كل ما لديه.!
(2)
ذهب حسّون رأساً إلى تلك الجهة التي مهمتها الأساسية متابعة المختلسين ومحاسبتهم.. ومن ثم سحب الأموال المختلسة منهم وإرجاعها للخزينة.. دخل من بابها الرئيسي.. ووجد أمامه موظف مشغول بتضريبات على الورق.. سلم عليه حسّون:
- يااا أستاذ.. السلام عليكم.!!
أجابه الموظف دون أن يرفع رأسه عن الورق الذي أمامه:
- مرحب.. أتفضل.!
حسون:
- الحقيقة أنا مختلس.!
لم يرفع الرجل رأسه.. بل قال وهو مشغول بما أمامه:
- مختلس.. أتفضل.. أي خدمة.!؟
حسون:
- أنا حسون اختلست قروش كتيرة جداً. وداير أتوب وأرجّع القروش للخزينة.!
الموظف أخيراً رفع رأسه:
- حسون.. داير تتوب.. وترجع القروش.. طيب.. وأنا أعمل ليك شنو يعني.؟!
حسون يرد بحيرة:
- الحقيقة أنا جاهز لأي عقوبة.. وداير أعرف أبدأ الإجراءات من وين.!؟
أخيراً الموظف أنهي ما في يده وألتفت إلى حسون وقال بإهتمام:
- أيوااا.. فهمت.. طيب إنت اختلاساتك دي كانت شيكات.. وللا قروش كاش.!!؟
حسون:
- الحقيقة كانت كلها قروش كاااش.!
نهض الموظف من كرسيه ووضع يده على كتف حسون وقال له بود وهو يقطع معه المسافة من المكتب لخارج الممر:
- الحقيقة أنا مختص باختلاسات الشيالمزيد
(1)
كان طيفور يعاني من التهميش وعدم مبالاة الناس به.. كانوا لا يضعون له أي إعتبار.. إذا سلّم على مجموعة من أهل الحي لا يهتمون به كثيراً.. وإذا حدث وردوا عليه التحية.. لن يكون بمثلها ولا بأحسن منها.. وغالباً ما يكون ردهم من نوع:
- وعليكم.!!
أو
- اهلاً!!
- مرحب.!!
كانوا لا يدعونه إلى اجتماعات اللجنة الشعبية.. ولا يدعونه للأفراح التي تقام بالحي.. باختصار كان الجميع يتعاملون مع طيفور على أساس أنه غير موجود.. وغير مُهم.. ولا يضع له الناس أي حساب.. هذا الموضوع أصاب طيفور بالأرق.. وفكر ماذا يفعل حتى يكون شخصاً مُهماً ويحترمه الناس..؟! فهو ليس بالغني.. ولا صاحب جاه ولا سلطة.. ماذا يفعل.. فكّر كثيراً ولم يجد أي مخرج لورطته.. فقرر الذهاب إلى صاحبه عمسيب الذي يلجأ إليه في مثل هذه الأمور.!
(2)
قال طيفور بضيق وهو يخاطب عمسيب:
- مشكلة كبيرة يا عمسيب.. شوف لينا حل.؟!
عمسيب:
- المشكلة شنو؟!.
- الناس دي ما شغالة بي.. بتجاهلوني.. وأنا في نظرهم زول ما مُهم.. عايز أكون زول مُهم.. أعمل شنو.. سريع.؟!
فكر عمسيب بصوت عال:
- بما إنك مُفلّس.. وما عندك ضهر.. ما في حل قدامك إلا تشتري ليك موبايل حديث.. صدقني الناس ح تحترمك شديد.. أسأل مُجرّب.!!
(3)
أتصل طيفور بـ ابن أخته المغترب في (الخليج).. وطلب منه أن يرسل له آخر موبايل نزل بالأسواق.. مع جميع ملحقاته.. وكان طيفور قد هيأ الجو تماماً لاستقبال الموبايل.. وحكي للناس عن إمكانياته كثيراً.. كل الجيران بالحي ينتظرون وصول الموبايل… لم يمض أسبوع حتى وصل الموبايل.. واجتمع بمنزل طيفور جمعٌ غفير من أهل الحي.. كان الموبايل من النوع الحديث بالفعل.. له شاشة مسطحة عريضة.. نحيف.. ويعمل باللمس.. ويتصل بالانترنت.. تصويره ذو دقة عالية.. وله كاميرا بالخلف وأخرى أمامية.!
(4)
كان طيفور ينتهز مروره بمجموعة من أهل الحي.. فيرفع يده التي يمسك بها الموبايل ليسلم عليهم.. ويخرج الموبايل من جيبه كل دقيقة لينظر إلى ا
(1)
بعد أن أُحيل طيفور إلى المعاش الإجباري.. لم يستطع أن يتحمّل الجلوس في البيت.. بعد عشرات السنين قضاها في الخدمة المدنية.. فقرر أن يتخذ له مهنة يسترزق منها.. ويكسر بها الملل في ذات الوقت.. ذهب إلى صديقه عمسيب يستشيره:
- يا عمسيب يا أخوي قُعاد البيت ده ما متعودين عليهو.. قلنا نشوف لينا شغلة نقضي بيها الوكِت.. ونسترزق منها.. ما عندك لي فكرة مشروع يكون ما محتاج لي راس مال.!؟
فكر عمسيب قليلاً ثم قال:
- أنا عندي ليك مشروع خطير.. وما محتاج لي رأس مال.. وممكن ندخل فيهو شراكة.!
اعتدل طيفور وقال باهتمام:
- المشروع شنو؟!
عمسيب قال:
- عندي ليك شُغل ممكن تشتغلو وإنت قاعد في محلك.. تحرك رجلينك بس.!!
- ده شغل ساهل.. لكن هو شنو.؟!
- أحسن حاجة تشتغل ترزي.!
قال طيفور بدهشة واستنكار:
- ترزي؟!!
ثم أضاف بعد تفكير:
- لكن أنا ما عندي ماكينة خياطة.. وما بعرف التفصيل.. وما اتعلمت الخياطة.. ما بقدر أشتغل ترزي.!!
عمسيب:
- الحقيقة إنت ح تفصّل حاجات ح تتعلمها في يوم واحد.!!
- شنو؟!
- ح تكون ترزي أكفان بس.!!
جحظت عينا طيفور بدهشة:
- أشتغل ترزي أكفان.؟!
- أيوه.. ترزي أكفان.. ممكن تشتغل في البيت.. وأنا بعلّمك كيف تخيّط الكفن.. وبوفّر لك مكنة الخياطة.. وبوفّر القماش.. والايراد بيناتنا بالنص.. زاتو منها تتذكر الآخرة.. أها قلت شنو.؟!
فكر طيفور قليلاً ثم قال:
- موافق.!!!
(2)
في أقل من أسبوع تعلّم طيفور كل شيء عن تفصيل الأكفان.. وفّر له صاحبه كل ما يحتاجه من قماش وخيوط وغيره.. وبدأالمزيد
(1)
كان طيفور يجلس مع صديقه عمسيب.. ومعهم نفرٌ من القوم.. وهم يتناولون شتى المواضيع.. فجأة قال طيفور:
- رايكم شنو يا جماعة.. أنا ح أحكي ليكم قصة عجيبة جداً حصلت لي جدي طيفور الكبير.. أنا حالياً حفيدو الخامس..!!
انتبه الجميع.. وألقوا أسماعهم.. فطيفور كان مشهوراً بحكاياته العجيبة.!!
اعتدل طيفور ثم قال بما معناه:
- مشى جدي (طيفور الكبير) للمؤسسة يصرف الحقوق.. ساق معاهو ولدو الصغير (عبد الحميد) عشرين سنة.. دخل المؤسسة ومدّ أوراقو.. سجلوا اسمه.. وطلبوا منو يقيف في الصف.. لمن يسمع اسمو يجي يخلّص بقية إجراءاتو.. عمل جدي (طيفور) زي قالوا بالضبط.. منتظر يسمع اسمو.. انتظر ساعة.. وسمع واحد بنادي اسمه
:
- طيفور عبد الحميد.!!!
مشى طيفور ومد بطاقتو عاين فيها الموظف وقال:
- في البطاقة مكتوب (ظبقوز).. ما (طيفور).!!!
طيفور الكبير قال:
- فعلاً ده خطأ قديم.. لكن قالوا ما بأثر بي حاجة.!!
الموظف:
- ما بأثر كيف.. لازم تجيب لي بطاقة مكتوب عليها (طيفور).
قال:
- يا أستاذ دي مشكلة بسيطة.. احذف النقطة من الطاء.. وختها في الباء عشان تبقي ياء.. وأحذف النقطة من الزاي ح تبقى راء.. وأحذف نقطة من القاف ح تبقى فاء.. وكده الاسم يبقى طيفور.!!
أمسك الموظف البطاقة تمعن فيها ثم قال:
- لازم تديني بطاقة مكتوب عليها (طيفور عبد الحميد).. ما (ظبقوز).!!
احتار طيفور ثم قال:
- معقول يا جماعة.. اسم من خمسة حروف غلطوا فيهو أربعة غلطات.. أنا ذنبي شنو.؟!!
الموظف:
- أنا بعمل بالمكتوب قدامي.. جيب لي بطاقة باسم (طيفور).. وأصرف ليك حقوقك.. أو أمشي المحكمة طلع شهادة تثبت إنك إنت (طيفور).. وأمشي بيها يعدلوا ليك البطاقة.!
(2)
قال عمسيب:
- أها.. وجدّك طيفور الكبير مشى المحكمة.!!؟
طيفور:
- نعم.. مشى المحكمة.. القاضي قالوا ليهو لازم تجيب اتنين من القبيلة أكبر منك يكون حضروا ولادتك.. يشهدوا إنك إنت طيفور.. ما ظبقوز.!
عمسيب:
- طيب.. دي ساهلة.. يجيب اتنين كبار.. يشهدوا.. وينتهي الموضوع.!!
طيفور:
- ما ساهلة.. جدنا طيفور الكبير كان كبير في السن عمرو سبعين سنة.. وأكبر منو إلا يكون تسعين سنة.. جدنا كان عندو عم واحد عمرو خمسة وتسعين سنة.. لكن عندو حبة خرف.. مرات كلامو مركز.. ومرات بقول كلام ساي.. وكان ده الوحيد المتوفر.!!
عمسيب:
- أها والحصل شنو؟!
طيفور:
- جدنا طيفور الكبير اتوكل وجاب عمنا ده وقال للقاضي عندنا واحد بس الحضر ولادتي ممكن يشهد أنا طيفور.. القاضي وافق.!
(3)
طيفور يواصل السرد:
- عم طيفور الكبير.. حضر المحكمة.. القاضي قال لي عم طيفور: يا حاج دايرنك تشهد إنو الواقف قدامك ده ود أخوك واسمو طيفور.. ما ظبقوز!!
وضع عم طيفور يده على جبهته في شكل طاقية كاب ونظر لطيفور.. وهو يقول:
- شنو؟.. منو؟.. صاح!!.. أيوااا!!.. ده ود أخوي طيفور زاتو.!
القاضي
(1)
لعل من أكثر الناس الذين يتمتعون براحة البال والضمير.. هو شخص لا يمكنك أن تتخيله.. أو تتصور أنه هو المقصود.. الشخص الذي نعنيه ليس بالغني ولا بصاحب سلطة ولا جاه.. كل ما عنده هو أنه لديه الكيفية التي يفرغ بها كل غضبه.. وكل شحناته النفسية السالبة.. يستطيع أن (يفش غبينته) بأحسن ما يكون (الإنفشاش).. –أتمنى أن يكون هذا التعبير صحيحاً- إنه يا أعزائي (مُنَجّدْ المراتب).. مراتب القطن بالذات.. تلك التي يحتاج فيها القطن إلى ضرب مبرح وعنيف حتى (ينتفش) -يصير منفوشاً!.
وأذكر في ذلك اليوم رأيتُ منجداً للمراتب.. أفرغ بالة القطن كلها على بساط بلاستيكي كبير.. وأمسك بيمينه (مطرق).. جمعها مطارق.. وهو غصن شجر رفيع خال من الأوراق لمن لا يعلمون.. ثم بدأ الرجل في (خبت) وضرب القطن بكل قوته.. حتى أن القطن كان يتطاير في الهواء في منظر بديع.!!
كان الرجل يضربه وهو يعقد ما بين حاجبيه في غضب.. ولعله كان يطنطن ببعض الكلمات في سره.. ويضرب القطن المسكين بغبينة وحقد دفين.. لابد أن هذا الرجل مختلف مع زوجته.. أو أن المصاريف صارت عنده أقل من متطلبات الحياة.. أو أنه منكوب بـ فلسة عميقة الأثر.!
وتجد أحياناً بعض المنجدين من يضرب بمطرقين.. يضرب بهما القطن بالتناوب.. إذا رأيت رجلاً يضرب النحاس ستعرف قصدي.. وهذا الأخير من المؤكد حالته أشد نكبة من صاحبنا.. الذي بعد أن انتهى من نفش القطن.. وضع المطرق بقربه.. وشفط نفساً عميقاً بإرتياح ليس له مثيل.. كيف لا وهو الذي نفّس عما يشحن صدره من غموم وهموم.. وأفرغ كل ما بداخله من غضب في مرتبة القطن المسكينة..!!
(2)
كل منا نفسه ممتلئة بالغبائن وبالهمّ والغمّ.. وهذه المشاعر السالبة تتراكم مع مرور الأيام والشهور والسنين.. وتزدحم بها الدواخل.. ويصير صاحبها في ضيق ويحترق يوماً بعد يوم ببطء..!
البعض ينفس عن بعض منها في الكمساري.. فـ أحياناً تجد المواطن يأتي من البيت مشحونا بأطنان من المشاكل.. من نوع مصاريف البيت.. نقة الولية.. لماضة ابنه المراهق.. ديون البقالة.. عداد الكهرباء الذي فرغ.. أنبوبة الغاز التي قطعت.. رسوم نفايات.. إلخ.. يركب المواصلات وأخلاقه على المحكّ.. ما إن يتباطأ الكمساري في نقده الباقي.. الذي قد يكون فكة قيمتها عشرة قالمزيد
(1)
طيفور.. رجل في الستينات من عمره.. ضخم الجسم.. له شارب غزير.. ولحية طويلة.. متزوج من ثلاثة نساء.. وله من الأولاد ستة.. ومن البنات خمس.. منهم من تزوج.. ومنهم من لم.. وطيفور مع ذلك كان رئيس اللجنة الشعبية للحي.. وإمام المسجد.. وهو شيخ عالم بالدين.. ويعرفه الجميع.. يلجأ إليه الناس فيما شكل من أمورهم.. وبعد عمر طويل في وظيفته.. تم إنزال طيفور للمعاش.. وبعد اعتزاله الخدمة المدنية بأيام قلائل.. صمم طيفور أن يتفرغ للعبادة.. ولكن قبل ذلك قرر أن يبدأ إجراءات مستحقاته المالية من المؤسسة.. وبالفعل بدأ فيها مباشرة.. مشكلة طيفور مع الإجراءات بدأت من خطأ قديم.. في واحدة من الأوراق المهمة كان بها خطأ.. مكتوب أن النوع أثنى.. وليس ذكر.. طلب منهم أن يعدلوها إلى ذكر.. ولكنهم أجابوه جميعاً بأنه لا مشكلة في ذلك.. وقالوا إنها خطأ بسيط.. إنه طيفور.. وهو رجل.. وإمام المسجد.. ورئيس الحي.. والجميع يعرفونه.. حتى أنهم يطلقون عليه (طيفور أب شنب).!!
(2)
اطمأن شيخ طيفور إلى أن الموضوع بسيط.. وذهب ليبدأ اجراءات مستحقاته.. وقف أمام الموظف المسئول الذي كان زميله سابقاً.. طالبه بمبلغ مالي للدمغة.. راجع أوراقه كلها.. ثم وقف أمام الورقة المكتوب عليها (النوع: أنثى).. ثم قال:
- يا شيخ طيفور.. كاتبين ليك النوع أنثى.. لكن ما مشكلة.. خطأ بسيط.. ما بأثر بي حاجة.!
دفع طيفور مبلغ الدمغة.. ثم ذهب إلى موظف آخر يعرفه أيضاً.. رحب به بصوت عالي:
- مرحبا.. مرحباً.. شيخ طيفور.. أتفضل.
جلس طيفور.. طلب منه الموظف مبلغ مالي عبارة عن (رسوم دفتر).. أدخله طيفور يده في جيبه.. وناوله إياه.. استلم منه الموظف أرواقه.. راجعها على عجل.. وقف أمام الورقة المكتوب عليها (النوع: أنثى).. ضحك الموظف ثم قال:
- يا شيخ طيفور.. كاتبين ليك النوع أنثى.. لكن ما مشكلة.. خطأ بسيط.. ما بأثر بي حاجة.!
مر بأكثر من خمسة موظفين.. ودفع إليهم كلهم مبالغ مالية بمسميات مختلفة.. كلهم توقفوا أمام (النوع: أنثى).. وكلهم قالوا نفس الكلام.. أخيراً تبقى له الصراف.!!!
(3)
وقف طيفور أمام الصراف.. الذي كان يعرفه تماماً.. وكان زميل دراسته في الدفعة التي وراء طيفور بثلاثة سنوات.. أدخله المكتب.. ودردشوا معاً وهم يتذكرون الأيام الخوالي.. ثم مد طيفور أوراقه للصراف.. استلمها وقال:
- جداً.. تستلم حقوقك هسي كلها.!!
راجع الصراف كل الأوراق.. وهو يغمغم بكلمات مثل:
- أممم.. ختم المدير الإداري موجود.. أيواا.. توقيع المدير المالي.. الدمغة موجودة.. تعليق المدير العام.. كلو تمام.!
ثم توقف أمام الورق المكتوب عليها (النوع: أنثى)… ثم قال بصوت عالي:
- آآآآآآآآآآآخ..!!
مطها طويلة.. ثم أردف:
- بس دي المشكلة.. عشان أصرف ليك لازم يكون مكتوب (النوع: ذكر).!
قال طيفور بحيرة:
- الموظفين كلهم وقفوا في الورقة دي.. دفعوني قروش كتيرة.. وقالوا مشكلة بسيطة ما بتأثر.. وكت تبقى علي الصرف تكون مشكالمزيد
(1)
قرر (طيفور) أن ينتحر.. نعم هكذا من الآخر.. توصل إلى مشاكله كلها لا حل لها سوى الانتحار.. أما لماذا قرر أن ينهي حداً لحياته.. هو يقول أن الأسباب كثيرة.. ولكنها كلها تتلخص في أن الحياة (ما بتغطي معاهو).. وأعتبر أن ذلك سببا كافياً للإنتحار.. ووضع خطة بسيطة لذلك.. ذهب إلى طلمبة الوقود.. اشترى جالوناً من البنزين.. وعرج على البقالة فاشترى صندوق كبريت صغير.. أغلق عليه باب الغرفة.. كتب وصية قصيرة على ورقة صغيرة ليبين فيها اسباب انتحاره.. ثم سكب على جسده البنزين حتى آخر قطرة في الجالون.. أخرج عود ثقاب وحكّه بجانب علبة الكبريت.. لم يشتعل العود.. كرر محاولته مرة أخرى.. أيضاً لم يشتعل.. حاول إشعال جميع الأعواد فلم تشتعل.. استشاط غضباً من هذا الكبريت غير الأصلي.. وعدل عن فكرة الانتحار بالبنزين.. وانتظر حتى تشرق شمس الصباح ليجرب وسيلة أخرى.. فقد توصل إلى حتى أنه إذا وجد أن الكبريت أصلي.. فمن المؤكد لن يكون البنزين أصلي.!!
(2)
هذه المرة قرر طيفور أن ينتحر بالكهرباء.. نظر إلى العداد فوجده كاد أن ينفد.. ذهب إلى نقطة البيع.. اشترى حوالي المائة كيلوواط.. شحنها وهو يردد في داخله:
- يا ربي المية كيلو دي بتكتل ليها زول.!؟
أحضر مسماراً طويلا ليدخله في فيشة الكهرباء حتى ينهي حياته.. ولكنه تذكر أن المسمار الواحد (ما بكتل).. فأحضر مسماراً آخر.. وأدخل المسمارين في الفيشة.. وردد الشهادتين.. وانتظر الموت.. ولكنه أحس برعشة خفيفة.. أنعشته وأطارت نعسته ليس إلا.. حيث صادف في ذلك اليوم أن الكهرباء كانت ضعيفة.. لم يستطيع طيفور هذه المرة أن ينتحر.. فأجل هذا الموضوع إلى يوم غد.. ليجرب طريقة أخرى علّها تنجح.!
(3)
بعد تفكير عميق حزم طيفور أمره بأن ينتحر هذه المرة بأسلوب تقليدي.. شنقاً حتى الموت.. ذهب إلى السوق اشترى حبلاً غليظاً.. جدد وصيته بأن أضاف إليها بعض التفاصيل.. أحضر تربيزة.. ورفع من فوقها كرسى.. ومن فوقه بنبر.. ليصل إلى المروحة.. ربط حبله على المروحة جيداً.. وتأكد من ربطه.. ثم لفّ الحبل حول رقبته.. نطق بالشهادتين.. ثم ركل الكرسى برجله.. وشنق نفسه.. ولكنه تفأجأ بأن الحبل انقطع وهوى على الأرض بغيظ كبير.. وهو يصرخ غاضباً:
- حتى الحبل ما أصلي.. يعني الواحد ما ينتحر وللا شنو؟!
فتل الحبل على مرتين.. وكرر المحاولة عدة مرات.. وفي كل مرة كان الحبل ينقطع.!
نام ببقية غضبه ذاك في انتظار الصباح حتى يجرب طريقة أخرى للإنتحار.!!
(4)
بعد بحث طويل وجد طيفور أن أفضل أسلوب للإنتحار هو شرب سم فأر.. وهو الذي يفضله المنتحرون على امتداد البلاد.. ذهب إلى الصيدلية.. وسأل من أقوى أنواع السم.. فأعطاه الصيدلي فتيل به بدرة سمراء.. وقال له أن قطرة واحدة من هذا

(1)
يُحكى أنه في بلاد ما..و في نفس هذا الزمان الذي نعيشه.. خرج السكان من منازلهم للتسوق كالعادة.. كما يفعلون كل يوم.. كان الغلاء يعمّ كل شيء.. ولكنهم مضطرون لأن يشتروا.. لأنهم إذا لم يشتروا سلعهم.. فماذا يأكلون؟!.. الناس لم يتوقفوا عن الشكوى من الغلاء.. ولكنهم لم يتوقفوا عن الشراء كذلك.. في ذلك اليوم.. خرج الناس للسوق كما يفعلون دائماً.. فتفاجئوا بأن كل شيء صار رخيصاً.. وسعره قليل إلى درجة مريبة.. وقف (طيفور) أمام الجزارة فخاطب الجزار:
- ربع اللحمة الضأني حصّل كم الليلة؟!.
أجابه الجزار بابتسامة غريبة:
- الحقيقة الكيلو بقى بي جنيه بس.!
جحظت عينا (طيفور) من الدهشة وهو يقول مستغرباً:
- شنو؟!! كيلو لحمة الضأن بي واحد جنيه بس.!!!
الجزار:
- نعم.. زي ما قلت ليك.. أوزن ليك.. عشرة كيلو وللا عشرين.!؟
أجابه (طيفور) وهو غير مصدق:
- لا.. لا.. ما توزن ولا كيلو.. اللحمة دي رخيصة كده أكيد فيها حاجة.!!
وذهب (طيفور) ولم يشتر أي لحمة.!!
ليس (طيفور) وحده الذي شكّ في اللحمة.. بل جميع السكان لم يشتروا.. وكلهم اتفقوا على أنها (رخيصة كده معناتا فيها حاجة).!!
(2)
ذهب (طيفور) إلى سوق الخضار.. فقال للبائع:
- لو سمحت كيلو الطماطم بي كم؟!!
أجابه البائع وهو مبتسم نفس ابتسامة الجزار:
- الحقيقة كيلو أي حاجة بي ربع جنيه.. كيلو الطماطم بي ربع جنيه.. كيلو البطاطس بي ربع جنيه.. والبامبي.. والبصل وأي خضار الكيلو منّو بجنيه.. وكمان لو اشتريت تلاتة كيلو.. بندّيك اتنين كيلو زيادة.!
جحظت عيناه من الدهشة وهو يقول مستغرباً:
- شنو.. كيلو أي خضار بي ربع جنيه بس.!!
بائع للخضار يرد:
- نعم.. زي ما قلت ليك.. جيب اتنين جنيه بس.. وأنا أديك خضار مشكل من كل نوع يكفّيك أسبوع كامل.. خلاص نوزن ليك.؟
أجابه (طيفور) وهو غير مصدق:
- لا.. لا.. ما توزن ولا أي حاجة.. الخضار ده رخيص كده أكيد فيهو حاجة.!!
رجع (طيفور) بيته ولم يشتر أي نوع من الخضار.!
ليس (طيفور) وحده هو الذي شكّ في الخضار.. بل جميع السكان لم يشتروا.. وكلهم اتفقوا على أنه (رخيص كده معناتا فيهو حاجة).!!
(3)
ذات الشيء تكرر في بقية السلع التي صارت زهيدة الثمن.. ومتوفرة بصورة غريبة.. ذهب (طيفور) إلى البقالة وهو يرغب في أن يكشف السر.. سأل البائع:
- كيلو السكر بي كم؟!.
أجابه البائع بإبتسامة غريبة تشبه ابتسامة بائع الخضار الذي كانت ابتسامته تشبه إبتسامة الجزار:
- ستة كيلو بي جنيه واحد بس.!
هذه المرة بلغت الدهشة مداها الأخير في نفس (طيفور)… الذي ص

(1)
تعريف الوجاهة ليس صعباً كما يقولون.. فـ عندما يُقال (وجيه في المجتمع).. يُقصد به ذلك الشخص الذي يهتم بقضايا وأمور المجتمع المحيط به.. والدور المنوط بوجيه المجتمع -سابقاً- هو حل قضايا ومشاكل من يقيم فيهم.. والإهتمام بشئونهم العامة.. هنالك وجاهة أخرى.. هي وجاهة المظهر الخارجي فقط.. من لون ولبس وطول وسواه.. ذلك بصرف النظر على بقية مكونات الشخصية من جاه ومال وفكر وعلاقات اجتماعية وشهرة وغيرها.!
هذه هي الوجاهات المعروفة في سالف الزمان.. لكن في الآونة الأخيرة تغيرت قوانين الوجاهة كلياً.. ظهر وُجهاء جُدد.. وطفت هذه الأيام ظاهرة (الوجيه فلان).. ومن صفاته إنه شخص ما.. ظهر فجأة في الصحف.. وفي القنوات والراديو و(الإف إمّات)- هذا جمع غير موفق لإذاعات الإف إم- وتجده بعد ذلك يجيد كل شيء.. الغناء.. التلحين.. العزف على آلات الموسيقى.. يقرض الشعر.. يجيد السباحة والتنس.. وقد يشطر الذرة.. إن وجد الفرصة والزمن الكافي.!
وتجده ينتسب لأحد نوادي القمة.. وتتقصى الجرائد أخباره التي تجدها من عينة:
- شرّف الوجيه فلان الحفل الخيري المقام في كذا كذا وتبرع بمبلغ كذا.!
- تكفلّ الوجيه علاّن بإقامة البعثة الرياضية الكذا في فندق كذا.!
- يهنئ الوجيه الفلاني المسئول الفلاني بالمناسبة الفلانية.!
(2)
لديه كذلك تصريحات غزيرة في الصحف.. وفي التلفزيون والراديو.. وهو ضيف دائم لدى القنوات في الأعياد وحتى في غير الأعياد.. وقد تجد إحدى أغاني البنات مفصلة من أجله شخصياً.. وهو علاوة على ذلك غني.. لا بل ثري ذلك الثراء الذي يسمونه (ثراء فاحش).. فمن المستحيل هذه الأيام أن تجيد وجيهاً مفلساً.. فمعظم الأغنياء وجهاء.. والعكس ليس بصحيح.. وتجده يبسط يده كل البسط.. ويبعثر أمواله ذات اليمين وذات الشمال.. وفي الحفلات التي تحييها الغنّايات يقوم بوضع (نقطة) على الف
(1)
قليلونَ جداً هُمْ من يعرفون الأسباب الحقيقية لجنون (طيفور).. وقليلٌ من هؤلاء من يعرف مناسبة العبارة التي يكررها كثيراً.. حيث دائماً ما تجده يصيح في البّر بأعلى صوته:
- ما بتغطي معانا.!!
- ما بتغطي معانا.!!
- ما بتغطي معانا.!!
(طيفور) قبل أن يجنّ.. كان ما يمكن أن تسميه (مواطناً صالحاً).. وذو عقل راجح.. وله بُعد نظر في تحليل الأحداث من حوله.. ولكن بعد زيادة الأسعار الأخيرة هذه تحوّل إلى كائن آخر.. قبل جنونه كان (طيفور) كثير التذمر ودائماً يطلق عبارات من نوع:
- الأسعار دي حيرتنا عديل.!
- كل يوم زيادة.. كل يوم زيادة.. أصلو شنو.!؟
- بالطريقة دي سنة بس.. وكيلو اللحمة ح يصل مليون جنيه .. ما تستبعد.!
كان أفراد شلّته يصبّرونه بعبارات مثل:
- يا زول أصبر.. احتمال الأسعار تنزل قريب.. الزيادة دي قالوا عالمية.
فيشيح بوجه إشاحة الذي يأس من كل خير فيها.. ثم يقوم من مجلسهم.. يسير هائماً في الطرقات بلا هدف وهو يحدث نفسه:
- احتمال تنزل قريب.؟!
ثم فجأة وبلا مقدمات يوقف أحد المارة ويسأله هذا السؤال:
- تتوقع يا ابن العم في احتمال إنّو تنزل قريب.؟!
يفرّ من أمامه الرجل الذي يشك في عقله.. ثم يواصل طيفور مسيره وهو يكرر في خفوت:
- احتمال تنزل قريب.. !
- احتمال تنزل قريب.. !
- احتمال تنزل قريب.. !
(2)
لم يجنّ طيفور دفعة واحدة وإنما على مراحل.. مرحلة ( احتمال تنزل قريب) كانت أولى المراحل.. تلتها بعد ذلك (مرحلة الأحلام).. كان طيفور يحلم بارتفاع الأسعار.. ثم يأتي ليحكي أحلامه لـ شلّته.. ذات مرة قال لهم:
- أمس يا جماعة رأيت في المنام جاني ولدي الصغّير ده من الصباح بدري وهو ماشي على المدرسة.. وقال لي:
- أبوي.. أنا داير اتنين مليار حق الفطور.!
فصرخت في الولد:
- يا ود إنت جنيت وللا شنو.. أمس ما أديتك ستة مليار قلت ليك ده حق فطور تلاتة أيام.. أجيب ليك اتنين مليار من وين.. وأنا مرتبي كلو ليهو نص ترليون بس.. يعني كلها خمسمية مليار.. أشحد يعني وللا شنو بعد ده.!!
نط الولد الكبير وقال:
- يا أبوي إنت ما عارف إنو قطعة الطعمية الواحدة بقت بي مية مليون.. والرغيفة بي نص مليار.. يعني اتنين مليار دي للفطور ما بتكفي.. ده غير التحلية.!!
أردف طيفور:
صحيت فجأة من النوم وأنا مخلوع.. وقلت إن شاء الله خير.. يا جماعة واحد يفسر لينا الح
(1)
كثيرٌ من الغنّايين والغنّايات.. والمُمثلين بإحترامهم والمُمثلات.. والذين قالوا أنهم نُجوم.. أؤلئك الذين يظهرون علينا في الفضائيات.. وبقية وسائط الإعلام صباح مساء.. ويُسهمون -بلا وعي منا- في تشكيل أفكارنا ورؤيتنا للحياة.. عَرباً كانوا أم من أبناء البلد.. عندما يُسأل الواحد منهم -في لقاء تلفزيوني أو غيره- عن سبب نجاحه وشهرته في عالم الفن والغناء والطرب والتمثيل وما شابه.. يُعزي سبب نجاحه إلى (الله)!!.
وقد وصل الخطل إلى درجة أن راقصة تم سؤالها عن سبب نجاحها (الحقيقة فشلها).. فأجابت بثقة بأن سبب نجاحها هو توفيق من ربنا.!!!
فسبحان الله عمّا يصفون.!
وغير ذلك في لقاءات عديدة مع فنانين وفنانات في خلال حديثهم تسمع منهم عبارات مثل:
- الحمد لله .. ربّنا وفقني ونجحت في مسيرتي الفنية.!
- النجاح الذي حققته في حياتي الفنية هو بسبب دعاء الوالدة.!
- لولا فضل الله لما وصلت إلى هذه الدرجة من النجاح.. عندي الآن أكثر من مائة أغنية خاصة.!
- أسأل الله أن يوفقني وأحقق مبيعات كبيرة للألبوم الجديد.!
- شاركتُ وبحمد الله وتوفيق منهُ في مهرجانات غنائية كثيرة.!
- أتمنى أن يوفقني الله.. وأطرب الجمهور.!
قد يصادفك مثل هذا اللقاء.. فتستمع إليه في تعجب.. وكأنه مثال للتقوى والصلاح والإيمان.!!
(2)
في قناة فضائية مشهورة.. وفي لقاء مع إحدى الجاهلات من ذوات الرأس الفارغ.. سألوها عن أمنياتها التي تحققت قالت:
- ده مفيش أكرم من ربٍنا.. اتمنيت أكون فنانة.. وحقق لي أمنيتي.!!
هذه الغافلة ومثلها كثير يخطئون في حق الله كثيراً.. ويسألونه التوفيق في سفاهات ضرّها أقرب من نفعها.. فـَ بِـ غَضّ النظر عن موقف الغناء والتمثيل والرقص والمسرح والفنون المصاحبة لذلك.. بغضّ النظر عن موقف كل ذلك من أقوال الفقهاء
(1)
بمناسبة بدء مراسم الختام للشهر الكريم.. لديّ لحضراتكم اليوم طرفتان رمضانيتان خفيفتان تقديراً لحالك عزيزي الصائم.. وذلك إما أنك عطش أو جائع أو الإثنان معاً.. أولا شيء.. في هذا الزمان توقع أي شيء.!!
لنُعرّف أولاً شيئاً يعرفه الجميع.. ولكنك لن تعدم أن تجد في البلاد بعض الذين لم يسمعوا به من قبل.. وهو (الضرا).. أو (برش رمضان).. وهو عبارة عن مجموعة من الجيران يُخرجون إفطارهم على صوانيهم للشارع.. ويجلسون في عرض الطريق.. أو في مساحة بين المنازل ليتناولوا إفطارهم هناك.. وهي لفتة تدل على الكرم الأصيل.. حتى يتصيدوا عابري الطريق لينالوا أجر إفطارهم.
وفي لفتة نادرة أخرى تجد أنّ بعض أهالي القُرى ممن ارتفعت لديهم هرمونات الشهامة يفترشون شارع الزلط الأسفلتي ليفطروا عليه.. حتى يوقفوا المسافرين بالبصات واللواري لإفطارهم.. وأحياناً يكون الشارع طريق قومي.. وهذه العملية بها مخاطر جسيمة.. فلا تستبعد أن تكون هنالك بعض الشاحنات السائرة بالطريق تمت صناعتها قبل اختراع الفرامل.. ويكون سائقها شبه نائم.. ويحدث بعدها ما لا تحمد عقباه.!!!
(2)
في قرية ما يُحكى أن هنالك غنماية كانت تقف بقرب برش رمضان كل يوم.. وتنتظر الجماعة حتى يُحللوا صيامهم ثم يقوموا للصلاة.. حتى يأتوا بعدها للأكل والشرب براحتهم.. كانت الغنماية تأتي بعد تكبيرة الإحرام مباشرة.. وتعيث بالبرش خراباً.. تسفسف البليلة.. تدخل قدومها في جكّ الحلو مر.. ثم تأتي على العصيدة.. وتكون رجلها حينها غاطسة في صحن نعيمية آخر.. كانوا يسمعون صوت كرعها للعصائر.. وقضمها للعصايد.. ولكن لا أحد يجرؤ على قطع الصلاة لدحرها.!!
ق
(أبو الدرداق).. هو عبارة عن حشرة من أنواع الخنافس.. تتغذى على روث الحيوانات.. تدردقها من الخلف في شكل كرة صغيرة.. وتُنسب إليها قصة سودانية مشهورة.. تم أدائها كمسرحية.. ثم صارت العبارة مثلاً يضرب لصعوبة نيل المستحيل ويقول المثل:
- (عرس أبو الدرداق للقمرة)..!
وحكاية المثل أن (القمرة) –وهذا تأنيث غير موفق للقمر- القصة تقول أن أبو الدرداق هذا ترفّع عن بنات جنسه.. وطلب يد (القمرة) عروساً له.. (القمرة) وافقت بشرط.. وهو أن ينظّف الأرض من جميع الأوساخ التي عليها.. حتى عندما تنزل إليه.. تجد أن المكان صار يليق بها.. وأبو الدرداق وافق على هذا الشرط.. وهو مؤمن بقضيته.. ولا يزال يدردق روث الدواب.. و(القمرة) في إنتظاره.. أو حسبما هو يعتقد.!!
(1)
يُحكى أنه في غابة ما.. في زمان ما.. كثُرت حشرات (أبو الدرداق) إلى درجة كبيرة.. حتى كادت تضيق عنها الغابة.. أينما تذهب تجدها تفترش الأرض تدردق أبعار الحيوانات إلى أجحارها لتتغذى عليها فيما بعد.. ومن كثرت عددها صارت تلتهم كل مخلفات حيوانات الغابة.. حتى أصبح هنالك نُدرة في البَعَر.. ومن قلّته كادت أن تهلك هذه الحشرات من الجوع.. وطفت إلى مجتمع الغابة ظاهرة أن تذهب مجموعة من حشرات (أبو الدرداق) إلى حيوان ما وتقول له بإنكسار وذلة:
- يا سيدى الثور.. رجاء زد من كمية أبعارك.. فنحن نكاد أن نموت من الجوع.!!
الثور أحياناً يشفق عليهن.. فيُبعر.. وينظر إليهن في أسى وهنّ يدردقن روثه إلى جحورهن بسعادة.. وفي بعض الأحيان يتعذر بعبارات مثل:
- ليس لدي بَعَر الآن.. ألا ترون أني مشغول.. هيا من أمامي.. سأبعر غدا.. هيا لا تضايقوني.!!
(2)
عندما علمت حيوانات الغابة أن أبعارها صارت لها قيمة.. صارت تتمنّع في إعطاءها.. وبمرور الأيام زاد الطلب على أبعار الحيوانات من قبل الدرداقات.. فقررت كل الغابة أن تجتمع على شيء.!!!
افتتح الحديث الحمار:
- أيها الزملاء الأعزاء.. بما أن أبعارنا صارت ذات قيمة.. وفي ذات الوقت ستموت حشرات (أبو الدرداق) إذا لم تجدها.. وقد تفعل أي شيء للحصول عليها.. لذا من هنا أعلن أنني وبصفتي حماراً.. وبعري يتميز بأنه من النوع الجيد…. أعلن أنني لن أفرط في بعري لهذه الدرداقات إلا بشرط.. وهو أن تكون هذه الحشرات في خدمتي.. وأن تفعل ما آمرها به.. و
(1)
من أكثر العبارات التي تغيظ العبد لله هي العبارات من نوع:
- جيب المناسب.!
- البتشوفو إنتَ داك.!
- أي حاجة.. المناسب بس.!
وهذه الجُمل أكثر ما يستخدمها سائقي الركشات والتكّاسة والذين يقدمون لك خدمة لا تسعيرة محددة لها.. ويكون الاتفاق فيها بالتراضي.. مثلاً تأتي لسباك ليصلح لك ماسورة بها عطب ما.. فتسأله عن أجرته.. فيقول لك مبتسماً بطيبة السودانيين المعروفة:
- ما مشكلة جيب المناسب بس.!
المشكلة أنت أحياناً لا تعرف حتى هذا المناسب.. قد تعطيه مبلغاً من المال إما أن يكون أكثر مما يستحق.. فتلحق الضرر بجيبك.. وإما أن يكون أقل مما يريد.. فتكون قد ظلمت الرجل.. من الصعب أن تعطيه المناسب.. وغالباً أن المناسب معه ليس مناسباً معك.!
(2)
توصلت إلى أن هذه المشكلة حلها الوحيد هو أن يتفق الجميع على الأجرة من البداية.. صرت استخدم هذا الأسلوب في تعاملاتي مع هؤلاء.. لكن أحد الأسُطوات كاد أن يصيبني بارتفاع في الضغط… كنت أريد أن أتفق معه قبل البناء على تشييد حائط.. وبدأنا حوار الاتفاق الذي كان كمثل ما يلي:
العبد لله قال له بلهجة الذي يريد حسم الأمور سريعاً:
- ح تبني الحيطة دي بـ كم.؟
قالها وهو يخرج أدواته من كيس قديم:
- جيب أي حاجة.!
قلتُ بغيظ:
- أنا شايف أحسن تقول إنت المناسب ليك كم.؟
أجابني ببرود وهو منشغل بأخذ مقاساته:
- يا ولدنا ما بنختلف.. البتجيبو داك بنقبل بيهو.!
بدأتُ أفقد أعصابي.. ولكن قليلاً:
- أنا أساساً ما عارف المناسب ليك كم.. قول إنت كلامك.؟
ردّ علىّ هذه المرة وقد أصدر أمراً لعاملٍ معه أن يعجن المونة:
- جيب القاسمها الله..!
تحكمتُ في غضبي بعناء قائلاً له:
- أنا خايف أظلمك.؟!
أجابني وقد بدأ بشدّ الخيط.. ورصّ الطوبة…. وصار يضرب طرفه بقعر المسطرين لمساواته.. منتظراً الطُلبة ليأتي له بقدح المونة.. ثم صرخ به:
- أرح أسرع يا ولد.!
ثم إلتفت إلىّ قائلاً بلامبالاة:
(1)
كان يا ما كان .. في سالف العصر والأوان.. أن هنالك بلادا من البلدان.. بها حرّ شديد.. وسموم يكاد يشوي الوجوه.. عدد سكان هذه البلدة ألف نسمة.. ينقسمون إلى قسمين: خمسمائة نسمة كانوا يملكون مُكيفات.. وخمسمائة لا يملكون مكيفات.. الذين يملكون المكيفات.. كانوا يستمتعون بالتكييف والهواء البارد على مدار العام.. يخرج الواحد من بيته المكيّف.. إلى سيارته المكيّفة.. ومنها إلى مكتبه المكيّف.. وبالعكس.!
أولادهم في المدارس كانوا يخرجون من البيت المكيف.. إلى السيارة المكيفة.. ومنها إلى المدرسة المكيفة.. وبالعكس أيضاً.!
الذين يستمتعون بالتكييف كانت لديهم مشكلة.. وهي أن التكييف لديهم لا يعمل بكفاءته العليا إلا إذا زادت السخانة.. وبعثت الشمس من أشعتها اللاهبة أكثر.. كلما زاد الحر.. كلما صار هوائهم جميلاً وبارداً لطيفاً.. كانوا يدعون الله دبر كل صلاة:
- يا الله.. زد الحر.. أجعل الشمس أكثر سخونة يا رب.. حتى ننعم بالنسيم العليل.!!
كان الحرّ يزداد كلما ازدادت دعواتهم.. ومع كل زيادة في السخانة.. كان يموت عدد من الذين لا يملكون المُكيفات.. في ذلك اليوم مات مائة من الخمسمائة الذين لا يملكون المكيفات بسبب الحر الشديد.. وبالمقابل.. كان المكيفات تعمل بكفاءة لدي الآخرين.. وتأتيهم بالهواء الجميل.!
(2)
أحد عقلاء الذين يملكون المكيفات قال لبني جلدته:
- يا قوم.. ألا يكفيكم هذا الهواء الجميل.. لا تدعوا بزيادة الحر حتى لا يهلك الذين لا يملكون المكيفات.!!
خاطبوه جميعاً:
- مالنا ومالهم.. هذا قدَرَهُم.!!
في اليوم الثاني مات مائة أخرى من شدة السموم.. وكان الذين لا يملكون المكيفات سُعداء يمرحون تحت مكيفاتهم.. الرجل العاقل قال لهم مرة أخرى:
- يا قوم.. ألا يكفيكم هذا الهواء الجميل.. لا تدعوا بزيادة الحر حتى لا يهلك الذين لا يملكون المكيفات.!!
خاطبوه جميعاً:
- مالنا ومالهم.. هذا قدَرَهُم.!!
في اليوم الثالث مات مائة أخرى من حر الشمس.. والذين ي
(1)
حكايتنا اليوم تدور حول ثلاثة خريجين: (مهند) و(ندى) و(خالد) كانت تخصصاتهم كالآتي:
(مهند) خريج جديد تخرج من كلية الهندسة.. وهو مهندس طيران مدني.. بحث تخرجه كان عن (مخاطر الطيران بسرعة الصوت).. (ندى) خريجة كلية العلوم.. قسم الأحياء الدقيقة.. بحث تخرجها كان عن (حث إنقسام الخلايا الجذعية بواسطة شعاع من الليزر).. (خالد) درس في جامعتين: خريج هندسة حاسوب.. وفي نفس الوقت درس الفيزياء وتخصص في ميكانيكا الكمْ.. مشروع تخرجه كان عن (تصميم برنامج حاسوب يتحكم في حركة الصواريخ خارج الغلاف الجوي).. وكلهم –ولله الحمد- بكالوريوس بدرجة الشرف.!
تم استيعاب هؤلاء الشباب في وظائف جديدة في (المحلّية).. كانوا فرحين بها إلى درجة كبيرة.. خاصة في أول يوم لهم في العمل.. قابلهم المدير بابتسامة عريضة ومعه مجموعة من الموظفين.. وهو يرحب بهم:
- مرحب بيكم شباااب في وظائفكم الجديدة.. ونحنا هنا في المحلية فعلاً محتاجين لخبراتكم ومجهوداتكم عشان نطور البلد.!
غمغم الجميع بعبارات غير مفهومة معناها أنهم سعداء.. قال لهم المدير مرة أخرى:
- ح أخليكم مع الأستاذ حسن عشان يشرح ليكم طبيعة عملكم بالضبط!
هزّ الأستاذ حسن رأسه مؤمّناً على كلام المدير الذي خرج وتركهم معه.. قال حسن:
- طبعاً يا شباب نحن عندنا بالجد مُشكلة كبيرة في (تنظيم الأسواق الشعبية).. المطلوب منكم تمشوا السوق وتجونا بي مقترحاتكم وتوضحوا فيها كيف ننظم السوق.. عشان نجمّل مظهر المدينة.؟!
بدأت معالم الإحباط تظهر على معالم الشباب.. ولكنهم وافقوا على القيام بالمهمة على مضض.!!
(2)
وهُم في السوق قال مهند (مهندس الطيران):
- اقترح إنّو (ندى) تمشي على ناس (الأقاشي) الهناك ديل.. لأنها بتاعت أحياء دقيقة.. وخالد حسب إنو خريج حاسوب وفيزياء.. يمشي على للبنات الببيعن التسالي.. وأنا ح أمشي ليكم على (ست الكوارع) الهنااك ديييك.. رأيكم شنو؟!
اعترضت ندى:
- أمشي إنت يا مهند لي ناس
(1)
كثيرٌ من الآباء والأمهات لا يعرفون –في الغالب- شيئاً عن الكمبيوتر وبرامجه.. ولا عن الانترنت ودروبها.. ويستغلّ بعض الأبناء هذه السانحة.. فيوهمون آبائهم.. وأحياناً أمهاتهم اللاتي ولدنهم.. بأنهم يستفيدون من التقنيات الحديثة.. وأنها ستوسع مداركهم.. وتربطهم بالعالم الخارجي.. وتجعلهم مواكبين للإنفتاح الحُر.. ومعاصرين للتطورات الحديثة.. التي تنبثق من العالم السرمدي الجميل… إلخ. وكلام كثير من هذا القبيل.! ذلك في حين أن مُعظم هذه التقنيات تُشكّل للطالب ملهاة وعبث لا أكثر.. ولا أقل.!
إذا قال لك طالب في مرحلة الأساس أو الثانوي أنه يستفيد من الكمبيوتر في مذاكرة دروسه المدرسية.. فأعلم أنه ليس كذلك.. التقيُّ منهم قد يفعل قليلاً… ولكنه أثناء ذلك يعرج على الألعاب من باب التنفيس عن ضيق الواجبات.. فيمكث فيها ما شاء أن يمكث.. ثم يذاكر القليل.. وحتى أثناء المذاكرة يكون جزء كبير من تفكيره ينصرف إلى اللعب.. ثم مرة أخرى يفتح الإنترنت.. يسرح فيه ساعة أو ساعتين بحجة الترفيه عن نفسه.. ثم بعدها يذاكر سطرين أو ثلاثة بالكثير.. ذلك ليمحو عقدة الذنب بضياع الزمن.. وليقنع نفسه بأنه ذاكر.. ويجد نفسه نهاية اليوم ذاكر نصف ساعة.. ولعب ورفّه عن نفسه خمس ساعات..! ثم يكتشف ولكن بعد فوات الأوان- أي بعد ظهور النتائج- يكتشف أنه كان يذاكر ليلعب أو يلعب ليذاكر.. ولا يستبين النصح إلا ضحى الغدِ.!
(2)
وبما أنك عزيزي الأب والأم (ما جايبين خبر).. وعلى حسن نياتكم.. قد تجدوا أن ابنكم الكريم يفتح الكمبيوتر يبحلق في شاشته بتركيز كبير.. ومندمج في لعبة (سباق سيارات).. يطير بسيارته بسرعة جنونية.. يصطدم بعربات الشرطة.. ويدهس المواطنين الافتراضيين السائرين في الشاشة بأمان.. ولا يعرفون أن خلفهم سائق أهوج.. وتجد الدماء تسيل ع
خبير الشامات الدولي.. وصل البلد.!!!
(1)
الهُمُوم هي أشياء يحملها المرء بداخله.. تظل معه في سكونه وترحاله.. تشغل باله.. وتفكيره.. والهموم نسبية في قياسها.. قد تجد إنساناً يحمل همّاً أنت تراه صغيراً وتافهاً.. وهو يراه كبيراً ولا شيء بعده.. ويمكن من عندنا هنا أن نقسمها إلى هموم كبيرة وهموم صغيرة.. دعونا من الكبيرة الآن.. لها وقتها.. ولنرْ ماذا عن الصغيرة.؟!
سأضربُ لكم مثالاً للهمّ الصغير من عينة (الناس في شنو).. أذكر أنني شاهدّتُ قبل شهور مضت.. برنامجاً على قناة علمية مرموقة.. بأن الشعب الانجليزي يتضايق من شيء ما مُهم.. هذا الشيء أجْرَى حوله الإنجليز عدة تجارب ودراسات وبحوث.. وصمّموا له برنامجاً وثائقياً.. وأفتى فيه عدد من خبراء وعلماء الفرنجة.. وقاموا بعدة استطلاعات مع المواطنين.. ليقفوا على مدى ضيقهم واستيائهم من هذا الشيء.. الموضوع بما فيه أن المواطن في بلاد العجم.. عندما يرغب في أن يغمس قطعة البسكويتة في الشاي.. أحياناً يسرح سرحةً خفيفة فيجد أن جزء البسكويتة المغموس في الشاي قد إنقسم واستقر في أعماق الكوْب.. وهذه العملية تضايقهم كثيراً.. وأن تراكم هذا الضيق قد يتسبب في بعض المشاكل النفسية مُستقبلاً (دي من العبد لله).. طبعاً الانجليز لديهم قائمة ضخمة من الأمراض النفسية.. ولابد أنهم ضمّوا هذا الضيق الناتج عن كسر السكويت باسم لاتيني معقد.!
(2)
شعبهم الآن يرغب في حل هذه المشكلة.. الحل –وهو من عند العبد لله أيضاً- بـ إمّا أن تنتج الشركات بسكويتاً لا ينكسر داخل الشاي عندما يبتلّ.. وإمّا أن تنتج شركات الشاي نوعاً من الشاى يبلّ البسكويتة ولكنه لا يكسرها.!!!
عندما انتهيتُ من مشاهدة هذا البرنامج.. صرتُ أردّد في نفسي عبارات من نوع:
- واعجباه.. واطول استغراباه.. واعظم حيرتاه.!!
ويا بختَ هذا المواطن الذي أكبر همّه ومبلغ علمهِ أن البسكويتة تنكسر في الشاي.. ويطلب الحل السريع.. ونحنُ –لله درّنا- لدينا أشياء أكبر من هذه بكثير.. تنكسر في أشياء أخرى أكبر حجماً.. ولا أحد يهتم.. فمتى نصل مرحلة البسكويت يا ترى.؟!!
(3)
سرحتُ بخيالي لُحَيظات.. وتخيلتُ أننا تخلصنا من الهموم الكبيرة.. همّ المعيشة.. والسكن.. والكهرباء والمياه والتعليم والصحة.. إلخ.. وصرنا نفكّّر في الهموم الكمالية الصغيرة.. تصورتُ كذلك أن الإذاعة أجرت استطلاعاً على الم
إن في الأمر عجب
(1)
لعلّ العبد لله آخر واحد في البلاد إكتشف مؤخراً أن ليس الشباب وحدهم همُ الذين يعاكِسون البنات في الطريق.. ولكنّ البنات كذلك يفعلون.. صحيح إنها ليست ظاهرة فاقت الحدّ.. ولكنها موجودة.. ومن يريد أن يتأكد من أن البنات يعاكسن الأولاد.. فليمرّ من أمام مدرسة أو جامعة بنات.. وبعدها فليفكر في الموضوع.. وأنصحه ألا يفعل.! وقد أكد لي غير واحد أنه كادت أن تختفي ظاهرة الفتاة التي تنظر إليها فتنكّس رأسها إلى الأرض.. وطفت إلى الوجود ظاهرة الفتاة التي ترشقك بنظرة فتّاكة طويلة.. فما عليك إلا أن تنكسّ أنت رأسك إلى الأرض.. وستفعل.. خاصة إذا كنت من النوع البريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب (عليهما السلام).!
ليس الشاب دائماً يكون في وضع الجلاد.. والفتاة هي الضحية.. فالعكس قد يحدث كذلك.. فقد حكى لي عدد لا بأس به من الشباب بـ أنهم تعرضّوا للمضايقات والمعاكسات من قِبَل بعض البنات.. وآخرهم أحد الأصدقاء وهو يهمّ بركوب سيارته استوقفته فتاة في كامل زينتها.. نظرت فيه مليّاً.. ثم قالت له:
- يا أبو الشباب.. إنت حرامي بالجدّ كده؟.!!
بعد أن بسْمل.. وحوقل.. ولعن إبليس.. وقال كلمة بمعني: حا شا لله.. فاستدركته قائلة:
- حرامي قلوب.. وجذّاااب.!!!!
أدار الشاب سيارته متصبباً عرقاً غزيراً.. وكاد أن يقتله العجب.. وقد راسلني وهو يسأل العبد لله:
- كيف نحمي أنفسنا من مضايقات البنات؟!!!
أنا الذي نقلتُ موقفه.. تصببتُ خجلاً.. ولست أدري كيف كان حاله هو.. سأعطيك أخي حلاً مؤقتا تتصبّر به ريثما أنتهي من هذا المقال.. إذا عاكستك فتاة في الطريق.. فـ (أعمل رايح).. وأخرج موبايلك وقم بإجراء مكالمة وهمية.. واستغل سانحة أول شارع جانبي فأعرج به.. وإذا تابعتك فلا تتردد في الاتصال بـ شرطة النجدة وهي للعلم 999.!!
(2)
شعور الشاب الذي تعاكسه فتاة هو مزيج من عدة أحاسيس مختلفة.. البعض يطير من السرور.. والعبد لله طبعاً مرّ بهذه التجربة.. كنتُ صبيّاً آنذاك في مرحلة الأساس.. مرّت بجوار مدرستنا فتاة (مجنونة).. شعرها منكوش.. وعيونها كالشرار.. ورائحتها فظيعة.. تأمّلت في هيئتي.. ثم عاكستني بعبارة لا أتذكرها.. لكنني بعدها ذهبت لبيتنا جرياً بخفّة العصافير.. كنت مبسوطاً أسبوعاً كاملا بعد هذه الحادثة
(1)
لعلّ أحد أسباب.. (الحقيقة منذ زمن وأنا أود أن أكتب مقالاً يبدأ بـ /لعلّ أحد أسباب/.. فـ ها والحمد لله قد فُرِجَتْ).. لعلّ أحد أسباب مُعاكسات الشباب للبنات.. هو إما إن الفتاة غير ذات احتشام.. أو أن الشاب ذو أدب قليل.. أو الإثنين معاً.. هنالك سبب آخر اكتشفه العبد لله من زمن بعيد.. وهو أن الفتاة عندما يتم مُعاكستها من قِبَلِ شابّ ما.. فإن أقصى ردّ فعل لها يمكن أن تبديه.. هو أنها تزيد من شدّة التمسّك بحقيبتها.. تم تلوي وجهها للجانب الآخربغضب.. ثم تلعن شباب هذه الأيام قليلي الأدب والتربية.. وتتحسّر على أؤلئك الذين كانوا يغضون من أبصارهم حتى تواري جارتي مأواها.!
هكذا يفعلن معظم الفتيات في البلاد.. عدا فتاة واحدة رأيتها قد كسرت هذه القاعدة.. فمنذ سنين عددا رأيت شابّاً عاكس فتاة في شارع عام.. إلتفتت إليه البنت.. وحدّقته بنظرة نارية حارقة.. ثم تناولت قطعة من الطوب الأحمر (طوب زمان داك).. وقذفتها نحو رأسه بشدةّ.. انبطح الشابّ أرضاً مُمْسكاً برأسه.. ومرّت الطوبة من فوقه ولها أزيز.. فاصطدمت قذيفة الفتاة بحائط قريب.. فتفتت وتناثرت إلى كل مكان في شكل قطع صغيرة.. ولو صادفت الطوبة رأس الشاب.. لنقلته إلى روضة من رياض الجنة.. أو حفرة من حفر النار.. قام الشاب من رقدته غير مصدقاً أنه قد نجا.. تناولت الفتاة طوبة أخرى.. ولكن هذه المرة تولى الفتى هارباً.. ومن المؤكد أنه بعد ذلك تاب من المعاكسات توبة نصوحة.. وصار من المتقين الأبرار.!
(2)
العبد لله احتار في دقة تصويب الفتاة.. فقد لاحظتُ أن الطوبة مرت من على نفس الموقع المفترض أن يكون فيه رأس الفتى.. وهذا قادني لأن أنصح بن
مذكرات زول ساي
(1)
صار بعض الشباب يسألني هذه الأيام سؤالاً مكرراً.. هو واحد ولكنه يأتي على عدة صيغ مختلفة:
- أخبرنا يا أيها العبد لله كيف يمكن أن يكون الواحد (زول ساي)؟!.
- لو سمحت يا أستاذ.. أنا عايزة أكون (زولة ساي).. أبدأ من وين؟.!
- أنا شاب سئمتُ تكاليف الحياة.. ومن يُعمرّ تسعة عشر عاماً لا أبالك يسأمُ.. أريد أن أكون (زول ساي).. دلوني على الطريق؟!.
حقيقة لستُ أدري ما الذي دها الناس هذه الأيام.. فقد صاروا يرغبون في أن يكونوا (أزوال ساي).. ومن كثرة الطلبات على الراغبين في هذا المنصب غير الرفيع.. فكرتُ جديّاً في تأسيس فرع جديد من العلوم سأطلق عليه (الزولَلُوجي).. وبالفصحي (علم الزولنة).. قد أؤلف له مستقبلاً مجلّداً أسميه (مقدمة ابن جاب الدين).. هذا إن حالفه الانتشار.. أسمحوا لي أن أرسي بعض القواعد لهذا العلم الجديد.. الذي يهدف إلى (تزويل) من يرغب.. وذلك لوجه الله.. ولا أريد من ورائه (جائزة نوبل).. ولا سفير النواية الحسنة.. ولا حتى الخبيثة.. ولا أريد أن يُخلّد اسمي في التاريخ.. وأنبه المختصين بالأمر رجاءً -بعد انتقالي- لا تُسمُّوا إحدى الحمامات العامة باسمى لو سمحتم.. ذلك لأن (علم الزولنة) من أهم قواعده أن صاحبه لا يريد علوّا في الأرض.. ولا فسادا.. ولكم الشكر.!
(2)
أولاً قبل أن نضع القواعد لهذا العلم الجديد.. (علم الزولنة).. أودّ أن أنوّه الإخوة والأخوات أن (زول ساي) لا تعني إنسان محبط أو بلا طموح.. أو ضعيف الإيمان.. أو مجاهر بالدونيّة.. فـ(الزول الساي) هو إنسان قسّم الحياة قسمين: (أشياء ضرورية).. وهذه التي لا يمكن الاستغناء عنها.. ولا تصحّ الحياة بدونها.. (أشياء غير ضرورية).. وهذه التي يمكننا العيش بدونها بلا حرج.. وسار على هذا الأساس!.
اليوم سأبدأ بأول بند من بنود (علم الزولنة).. وهو (التخلّص من المُقيدات غير الضرورية).. وأنت في طريقك لكي تكون زول ساي.. يجب عليك بداية أن تنتبه هل أنت المسيطر أو ا
مذكرات زول ساي
(1)
كثيرٌ من القراء يسألون العبد لله أسئلة مُحرجة على غِرار:
- لماذا تطلق على نفسك لقب (زول ساي)؟.
- ماذا تتمنى أن تكون عندما تكبر؟.
- ما هو السبب الأساسي والمباشر في اختيارك لـ لقب (زول ساي)؟
- هل أنت بلا طموح.. حتى تسمي نفسك بـ (زول ساي)؟.
ألا رحم الله القُراء.. فإنهم لا يعلمون حجم ما كان عندي من طموح تقلّص بمرور الزمن حتى صار إلى ما صار عليه الآن.. فقد ثبت لي بما لا يدع مجالاً للشك أن الانسان لا ينال ما يرغب دائماً.. ولا يمكنه أن يحقق كل أمنياته إلا القليل.. العبد لله مثلاً.. بعد تخرجي كنتُ أرغب في أن أكون المشرف العام على (مجرّة درب التبانة).. لم أحقق ما أريد.. فتنازلتُ قليلا وفكّرتُ في أن أتولى رئاسة العالم.. أو حتى المفوّض العام على (الكرة الأرضية).. لم أستطع.. فرغبتُ في أن أكون رئيس البلاد.. ولم أكن.. نزلتُ بطموحاتي في أن أكون عُمدة المدينة.. لم تتسهّل معي الأمور.. في قريتي كنتُ أفكر في منصب (شيخ الحلة).. ووجدتها أصعب من كرسي الخلافة في العصر العباسي.. ثم ألغيتُ كل آمالي وطموحاتي.. وقررت أن أتولى رئاسة اللجنة الشعبية بالحي.. ووجدتُ التنافس عليها كبير.. ومؤهلاتي لا تسمح بكل هذه الأمنيات.. فقررتُ قراراً نهائياً لا رجعة فيه أن أكون (زول ساي).. وفعلت.. ولم أجد من ينافسي في هذه الأمنية.. ورضيتُ بمنصب (زول ساي).. وتاني زول يسألني ما في.!
(2)
سقتُ هذه المقدمة حتى أدخل على موضوع يلمس حياة كثير من الشباب.. أو الطلاب الجامعيين الذين دخلوا جامعة أو كلية أو مجالاً أو تخصصاً لا برغبتهم.. بل برغبة الأسرة والأهل.. هو يريد أن يدرس (آداب).. وهم يرغبون في (الطب).. هي تحب دراسة (الفنون الجميلة).. وأهلها لا يرون شيئاً مفيداً في الحياة غير (الهندسة).. وعندما تريد الأسرة شيئاً.. ويرغب الابن أو الإبنة في شيء آخر.. في الغالب تتحقق رغبة الأسرة.. وما على الإبن سوى أن يلعن إبليس وينفذ رغباتهم.!!
هذا المقال مخصص للذين تورطوا ودخلوا مجالاً لم يكن ضمن رغباتهم.. بل
مذكرات زول ساي
(1)
نادراً ما يكون قد مرّ عليك في الجامعة ذلك الكائن المُهدد بالإنقراض الذي يُسمى بـ(الطالب المُجتهد).. والذي يمكنك تعريفه بـ:
- إنه الطالب الذي يتضايق كثيراً إذا حضر الجامعة ووجد أن المحاضرة ألغيت.. أو أن المُحاضِر اعتذر اليوم.! ويتمنى أن يتم تعويض هذه المحاضرة في يوم آخر.. ويصرّ على ذلك.!
عكسه تماماً (الطالب غير المُجتهد) وهو الذي إذا وجد أن المحاضرة قد ألغيت.. تجده سعيداً مُنتشياً.. ويفرح فرحة طاغية بهذا الحدث الاستثنائي العظيم.. فإلغاء المُحاضرة عنده عيد.!
العبد لله كان من النوع الثاني.. النوع غير المجتهد.. الذي إلغاء المحاضرة عنده عيد.. ومناسبة تستحق الاحتفال بها.. وسبب ذلك أنني كنتُ من تلك الفئة التي دَرَسَتْ مجالاً ليس مجالها.. ودخلتْ تخصصاً ليس تخصصها.. احترتُ كثيراً وأنا أحاول التأقلم مع الواقع الجديد.. فحالي كان يشبه حال من دخل السجن بإرادته.. ثم يتحسر على حريته المقيدة.. وباب السجن أمامه مفتوح.. من أراد أن يخرج فليخرج.. ولكنه يصر على أن يظلّ فيه حتى يكمل أربع سنوات.!
(2)
أسمح لي أنقل لك شعور طالب دخل جامعة أو كلية لا يرغبها.. وهو مُضطر يومياً لحضور محاضرات مدة الواحدة منها ساعتين أو ثلاث ساعات من التعذيب المستمر.. وحسبك بالمُجرّب من عليم.!
كان استيعاب المحاضرات بالنسبة للفقير إلى مولاه يشبه قراءة جريدة في وسط إعصار مُدمّر.. أو فلنقل عبارة عن قيادة دراجة هوائية عكس هواء به أتربة غبارية مع رياح شمالية شرقية باردة.. من النوع الذي يهبّ عندما يكون (الفاصل المداري) يقع خلف مدينة ما.. شعور لا يستطيع المرء وصفه لمن لم يجربه.. المحاضرة كانت تحتاج إلى كمية لا بأس بها من الليمون لهضمها.. ولولا أنه ممنوع مصّ الليمون أثناء المحاضرات لكان أخاكم قد فعلها ولا يبالي.!
كنت أرى أن المحاضر ينفخ في رماد.. وأتململ حتى يخرج.. ثم بعدها ألتفت إلى الزملاء الذين دخلوا هذه الكلية برغبتهم حتى يشرحوا للعبد لله ماذا قال المحاضر.. كانت المحاضرات كلها رياضيات.. إلا القليل.. وهذه المادة كانت من ضمن الأشياء الخمسين التي لا أحبها.. البق
(1)
يأتي هذا المقال امتداداً لمقال سابق عنوانه (بالنسبة للبنات).. كان يتحدث عن (عطالة البنات).. حيث اقترحتُ لهنّ ثلاثة أمور: (لا حل) وهذا يعني أن تقعد بالبيت حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.. و(حل مؤقت).. وهو التطوع في مجال تخصصها.. و(حل جذري).. وهو أن يتم تشغيل جميع الخريجين العطالى (الذكور).. الذين سوف تتحسن أمورهم المادية.. ويتزوجون بالبنات العاطلات.. وبهذا نكون قد حللنا ثلاثة مشكلات معاً: عطالة الخريجين.. عطالة الخريجات.. ومشكلة العنوسة.!
لكن هذا الحل الأخير لم يعجب البنات البتّة.. واتفق معظم الخريجات ممن علّقن على المقال بأن الزواج لا يحل مشكلة عطالة البنات.. لأن الواحدة ستتزوج وتظل عطالتها باقية.. حاول العبد لله إقناعهن بأن الجري والطيران ليس متاحاً في كل زمان ومكان لكائن واحد.. ولكن أصررن على أنهن لابد لكل واحدة أن تحقق طموحها كاملاً.. تشتغل في وظيفة كبيرة.. وتصل إلى أعلى درجاتها.. وتتزوج.. وتنجب.. وتربي البنين.. وتقود (حلف شمال الأطلسي) بالمرة إن وجدت الفرصة والزمن الكافي.!!
(2)
عموماً الموضوع كبير والنقاش فيه متشعب.. لكن سأتطرق اليوم إلى اللواتي اقتنعن بالانتظار.. فما إن تتخرج الفتاة من الجامعة.. حتى تجد نفسها أمام ثلاثة خيارات قابلة للزيادة: إما أن تجد وظيفة.. وإما أن تتزوج.. وإما تنتظر في البيت حتى يأتي الفرج المتمثل في الوظيفة أو الزواج.!
سأركز حديثي حول اللواتي تخرجن من الجامعة.. ثم لم يجدن عملاً.. ولم يتقدم لهن خاطب.. فهؤلاء يُوَاجَهْنَ بعد التخرج بفراغ كبير.. لكن لا تنسى أن بعض البنات لا يواجهن هذه المشكلة.. فهي بإمكانها كسر الملل بالسفر إلى رحل ترفيهية مع الأسرة إلى بلاد الله المعتدلة الأجواء.. أو تقضية إجازة الصيف في مصيف ب
(1)
في أكثر من مقال سابق تناولتُ مُشكلة (عطالة الخريجين).. واقترحتُ لها حلولاً مؤقتة وأخرى جذرية.. ولمن فاتتهم تلك المقالات.. كان الحل المؤقت هو أن يُدْخِلْ الخريج نفسه في مهنة مؤقتة.. ريثما يجد تلك التي تليق بمقامه الرفيع.. أما الحل الجذري للعطالة.. فكان حلاً يحتاج إلى الكثير من الإمكانيات التي لا نملكها.. وهو أن نذهب إلى ما وراء البحار.. ونقاتل الكّفار والمشركين هناك.. ثم نسلب منهم الغنائم الكثيرة التي يملكونها.. وتلك التي سلبوها منا.. ثم نقسمها فيما بيننا بالتساوي.. نُزوّج منها العازبين والعازبات.. ونشغّل بها العاطلين والعاطلات.. ونفك بها الغارمين وفي الرقاب وابن السبيل.. والحقيقة لقد عارضني الكثيرين في هذا الأمر.. باعتبار أنه مستحيل.!
بعد أن قرأ الناس هذه الحلول.. منهم من تعجب منها.. ومنهم بعض الدمويين من رحب بالفكرة.. نبهني بعدها نفرٌ من القارئات بأنني لم أتطرق لموضوع (عطالة البنات).. إذ أن العبد لله كان دائماً يتجه في كتاباته نحو الإخوة الشباب.. ذوي الشوارب واللحى.. وأنسى أن بالخارج بنات عاطلات.. قانتات.. حافظات للغيب.. لا يجدن فرص عمل.. وما أكثرهن.. وعدد لا بأس به من الأخوات علقوا على المقالات التي تناولت (عطالة الخريجين) على صفحتي بالفيسبوك.. ثم يلحقون تعليقاتهم بعبارة ثابتة.. وهي:
- أها والبنات يعملوا شنو؟!
وواحدة منهن ذات نباهة ورجاحة عقل.. لا سقوطاً قناعها إذا مشتْ ولا بذات تلفّتِ.. استدركتني قائلة:
- والبنات العاطلات يعملن شنو؟ بس ما تقول لي يعرّسو؟.
والحقيقة كنت أجهّز هذه العبارة للرد عليها.. ولكن قد أفحمتني أصلح الله بالها.. فهي تطلب مني أن آتي لها بحل جذري وقاطع لعطالة البنات.. وأن ألا يكون الزواج ضمن هذه الحلول.. فحسبنا الله.. ونعم الوكيل.!!
(2)
طبعاً بعض القراء والقارئات يحسنون بي الظن كثيراً.. ويعتقدون أن لدى العبد لله حلولاً جذرية جاهزة لأيّ مشكلة.. ويتوقعونها على شاكلة: (للمشكلة الـ كذا اذهب وأبلع الحبة الـ كذا).. لكن الأمر هنا يختلف.. إذ أنه لا توجد حبوب جا
(1)
قبيل التخرج بشهور تنقسم أحلام الخريجين إلى قسمين: قسم لديه أحلام وردية.. من التي لا يحدها الأفق.. وهؤلاء عبّر عنهم الشاعر الجاهلي بقوله:
- أحلامنا تزن الجبال رزانة … ويفوق جاهلنا فعال الجُهّلِ
القسم الثاني من الخريجين يتأملون في الذين سبقوهم بالعطالة بحسرة.. فيصابون بإحباط كبير.. وهؤلاء لم أجد شاعر جاهلي يعبر عنهم بشيء.. إذ لم يكن هنالك خريجون في ذلك الزمان.. لذلك من باب سد النقص في الأدب الجاهلي قال فيهم الشويعر الجاهل (ابن جاب الدين):
ألا لله درّي من خريريج عويطل … تجهجه في الورى شرقاً وغربا
ألا إن شقّ الجيب زاد اتساعه… وصار هَمُّ حصيفنا أكلاً وشُربا
إن الوظائف التي في طرفها عَورٌ … لقد ضلّت عن العُطّال دربا
خليلي من لي بشغل وفير المال … يخضّر ما صار من جيبنا جدبا
يَبيِض لنا الدراهم وافرات … ونحلب منه ورق المال حلبا
فالمحبطون من الخريجين أمرهم معروف.. فمنهم من يتوقع أنه سيلحق الركب الذي أمامه من العطالى.. لذلك ينزل من علياءه.. ويلتحق بأعمال صغيرة.. ركشة.. طُلبة..كمساري.. تجارة بسيطة ذات رأس مال حليق.. وأضف إلى ذلك كل عمل يندرج تحت مسمى (مهن هامشية).. وأعتقد هذا اسم غير مُوفق.. فالأفضل أن يتم تسميتها (مهن مؤقتة).!
جزء من هؤلاء المحبطين يمارس فضيلة الانتظار.. تجده قد وزع أوراقه على جهات العمل.. ثم جلس في البيت وأعتنق التلفزيون.. ويتوقع أن يتصلوا بشخصه الكريم تحت أي لحظة.. وكما أقول مراراً.. إنهم في الغالب لا يتصلون.. فالأفضل ألا تنتظر.. فأسلوب (خلي تلفونك معانا) هو أحدث اختراعات القرن للتخلص من الخريجين المزعجين الباحثين عن عمل.!
(2)
دعونا نبدأ بالخريجين من ذوي الأحلام الوردية.. وهم يخططون ويرسمون لمستقبلهم المهني.. يحلم الواحد منهم بوظيفة مكتبية.. في شركة خاصة لو أمكن.. ذات كرسي دوّار.. يجعل صاحبه يدور كما دارتِ الصهباءُ في رأس شاربِ.. ويهبهب من فوقه جهاز تكييف يجود له من الهبوب ما كان باردا.. ويأتيه بالأنسام ما لم يزوّد.. راتبها كبير.. ولا يحتاج أن يقفوا له عند شباك صرّاف عبوس مطراق.. بمزاجه يعطي ويمنعُ.. بل يعطوك الأحبة في الشركة بطاقة بنكية صغيرة كأذن البعير.. تدخلها في فتحة صرّاف آ
(1)
لا أحب أن أطلق كلمة (عاطل) على أحد.. لأنها من المفترض أن تُستخدم لشخص تكون الوظائف متوفرة أمامه من كل شكل ونوع.. ثم تعرض عليه منها وظيفة براتب كبير.. مع سيارة هضيمة الكشح.. ذات مأكمة يضيق الباب عنها.. فيرفض.. ويفضل العطالة على ذلك كسلاً منه.. ولم أجد في اللغة العربية.. والحقيقة لم أجتهد كثيراً في البحث عن كلمة تعطي نفس معنى كلمة (عاطل).. ولكن أن تستخدم للشخص الذي بحث عن عمل.. ثم بحث ولم يجد..ثم مرة أخرى بحث ولم يجد.. ثم صارت حياته كلها عبارة عن بحث عن وظيفة.. وأرى أنه ليس من العدل أن نطلق على هذا (عاطل).. والأول (عاطل)!.. لذا أتمنى أن يجتهد الأحبة نحارير وفطاحلة اللغة في أن ينحتوا لنا كلمتين بمعنى (عاطل).. واحدة تستخدم لـ الذي (بحث ولم يجد).. وأخرى تستخدم لـ الذي (وجد وفضّل النوم على العمل).. ويتركوا الأصلية للعموم… وحتى ذلك الحين سأستخدم كلمة (عاطل) للدلالة على المعنيين.. وبالله التوفيق.!
(2)
(الشباب البرّة الجامعة).. هو الجزء الثاني من مقالة قد خلت كانت بعنوان: (الشباب الجوّة الجامعة).. تناولتُ فيها بعض المظاهر السالبة للشباب داخل الجامعات.. وتكملة للموضوع أحببتُ أن أتابع نفس هؤلاء الشباب إلى خارج الجامعة بعد أن يتخرجوا.. ويصيروا عطالى.. فتوصل العبد لله أن سلوك الطالب داخل الجامعة.. هو نفسه سلوكه خارجها بعد التخرج.. فإذا كان الطالب داخل الجامعة من عباد الله الصالحين.. سيكون كذلك خارجها.. إلا من سبق عليه الكتاب.. ومن كان داخلها من المكذبين الضالين.. ففي الغالب سيكون خارجها كذلك.. إلا من رحم ربّي.. والله أعلم.!
بعد أن يتخرج الطالب من الجامعة.. يبدأ مشوار البحث عن وظيفة.. فمنهم من يتوظف مباشرة.. أما الآخرون فيبحثون حتى تحفى أقدامهم.. ثم يستسلمون.. ويجلسون في البيت في انتظار الفرج.. أو في انتظار مكالمة.. وبالطبع جهات العمل لديها عادة سيئة جداً.. وه
(1)
الحقيقة من الصعب على المرء في هذه الأيام أن يكون نزيهاً مائة بالمائة.. ألّا يُدخِل على نفسه شيء إلا من عرق جبينه.. أو من جهده هو الخاص.. وإذا قررت أن تفعل ذلك.. قد يتهمك البعض بالجنون.!
فقد يكون ابن آدم طاهر السريرة.. حسن النية.. نقي الباطن.. وفي عرنينه شممٌ.. ولكن تتشابه عليه الأمور.. حيث أن الخيط الذي يفصل بين ما هو لك.. وما هو ليس لك.. خيط دقيق.. يقطعه الكثيرون في غفلة منهم.. وبدون وعي.. وأحيانا بتعمّد مع سبق إصرار.!
قد يذهب عبدٌ من عباد الله للمسجد مثلاً.. وبحسن نية يُخرج موبايله.. ينظر إلى شاشته.. ثم يعلو وجهه الهلع.. إذ تبقّى في البطارية خط واحد.. إذاً وجب شحن هذا التعيس قبل إقامة الصلاة حتى لا ينطفئ.. وبنفس حسن النية التي أخرج بها الموبايل.. يخرج بها الشاحن – حيث أن البعض ذو أطوار غريبة.. يحمل معه شاحنه أينما ذهب.. لأنه يخاف أن يتصل به صلاح الدين الأيوبي شخصياً ويجد الموبايل مُغلق- ثم يُركّب شاحنه في أقرب فيشة في حائط المسجد.. وتبدأ خطوط الشحن في جهازه بالارتفاع.. وهو جالسٌ بقرب موبايله يسبّح بحمد ربّه.. وعندما تقام الصلاة.. تجده بنفس حسن النية التي أخرج بها الموبايل.. والتي ركّب بها الشاحن.. ينزعه بها.. ثم يلحق الصلاة في الصف الأول!!.
هذه العملية قد يراها الكثيرون عادية جداً.. وإذا استفتيت عنها أحد ما من عامة الناس.. قد يقول لك: (ما فيها حاجة).. يقولها وهو يبتسم تلك الابتسامة المستهترة على ركن الفم اليمين.. التي تدل على أنك أحمق وتُصعّب الأمور.. ولكن إذا نظرت إليها من جانب آخر.. تجد أنك أدخلت في موبايلك نقوداً.. لا مجرد كهرباء.. وهذه الكهرباء التي أدخلتها في بطن جهازك إنما اشترتها جهة ما.. أو تبرع بها أحدهم بِحُرّ ماله.. صحيح أنها قليلة جداً ولا تكاد تُ
حَلْ جَذْرِي..!!
(1)
الناظر إلى المجتمع بعين البصر يجد أن المشاكل كثيرة.. بل كثيرة جداً.. والناظر إليه بعين البصيرة يجد أن (المشاكل) أكثر من (غير المشاكل) إن صح التعبير.. وبالمقابل يجد أن الحلول قليلة.. وغير حاسمة.. وليست حلولا جذرية.. وأحياناً يبحث الباحثون في مشكلة ما.. فتجدهم يحومون حول الحل من بعيد.. ولا يقعون فيه مباشرة.. وفوق كل هذه المشاكل التي تحيط بنا.. تجد أن المشكلة الأساسية في أي مشكلة هي إما أنها لا يوجد لها حل جذري.. أو يوجد ولكنه بعيد المنال.. ويحتاج إلى آلية ومقدرة غالباً غير متوفرة.!
مثلاً تجد أن مُشكلة كبيرة كالعنوسة وإحصان الشباب.. يخترعون لها حلول جميلة ولكنها ليست جذرية مثل (تخفيض المهور).. و(عدم التشدد في متطلبات الزواج).. و(إلغاء قولة خير).. و(الإحجام عن فطور العريس).. في حين أن الحل القريب هو رفع مستوى الدخل للفرد بما يساوي كل هذه المتطلبات وأكثر.. وهذا الأخير توقفه (العطالة).. وهذه يقترحون لها حلول مثل (توفير وظائف لكل الخريجين).. وهذا حل غير منطقي.. لأن المنطق يقول من المستحيل توفير وظيفة لكل خريج.. حتى في الدول الكبرى لا يحدث هذا.. ثم لاحظ دائماً ما يقولون (تشغيل الخريجين).. فماذا عن (غير الخريجين)؟.. معظم الحلول الواردة في شأن العطالة غير جذرية.. في حين أن الحل الجذري قريب.. سأخبركم به.. فقط تابع معي حتى النهاية.!
(2)
مشكلة ثانية مثل الملابس غير اللائقة التي يلبسنها الكثير من إماء الله في البلاد.. يقترحون لها حلول مثل توعية البنات.. وتوحيد الزي الجامعي.. وإقامة الندوات والمحاضرات.. وهذه قد تكون حلول.. ولكن ليست جذرية.. بدليل أنهم يحاربونها.. وهي زائدة في الانتشار.. الحل الجذري قريب.. ستعرفه فقط تحلى بالصبر الجميل وواصل رحلتك معي لنهاية المقال.!
كثير من بلاد الفرنجة تشتهر بأن منها مخترع مشهور.. اخرج اختراعاً استفادت منه البشرية.. كالمصباح الكهربائي.. والتلفون.. والتلفزيون.. وغيره.. بالطبع لم تسمع بمخترع سوداني.. اخترع شيئاً مشهوراً.. ولم تعرف السر بعد.. ستعرف السبب فقط تابع معي هذه الحكاية.!
(1)
صمّم مجموعة من الشباب آلة تستطيع أن تساعد الأبقار.. تدخل إليها العلف من جهة.. فيخرج لك لبناً من الجهة الأخرى.. الشباب كان مشروعهم على الورق فقط.. ويبحثون عمّن يستطيع أن يتبنى هذا المشروع.. ويموله لهم.. وأن يقوم هذا الممول بصناعة عدد من هذه الآلات وتصديرها باسم البلد.
ذهبوا بمشروعهم للمختص بالاختراعات.. فنظر إليهم ثم قال:
- قلتم ماذا يفعل هذا الاختراع؟.
المتحدث باسم المجموعة عدّل وضع نظارته ثم قال باهتمام:
- أنت تعرف بالطبع أن أسعار الحليب آخذة في الارتفاع.. لذا قمنا باختراع تدخل إليه العلف بجهة.. فيخرج لك لبناً بالجهة الأخرى.. وهذا الاختراع سيحدث ثورة في العالم.. وسنصدره باسم البلاد.. وقد قالوا لنا أنك من تستطيع أن تدلنا على كيفية تنفيذ هذا المشروع؟.
هز الرجل رأسه ثم قال:
- طبعاً… طبعاً.. لكن قل لي: اللبن الذي ستخرجه هذه الآلة.. هل هو لبن حليب سائل.. أم لبن مجفف؟
- الحقيقة هو لبن مجفف؟!.
أخرج الرجل ورقة ومط شفتيه ثم قال:
- الحقيقة أنا مختص باللبن الحليب.. سأكتب لك مذكرة للمختص باللبن المجفف.. وهو في مبنى على بعد واحد كيلو متر من هنا.. اذهب إليه .. وسيفيدك بإذن الله.!
(2)
ذهب الشباب للرجل.. وشرحوا له المشروع من البداية حتى وصوا إلى:
- قالوا لنا أنك المختص باللبن المجفف نرجو مساعدتنا ليخرج هذا الاختراع إلى النور؟.
قلب الرجل أوراق المشروع.. ثم قال في ملل:
- قلتم أن هذه الآلة تدخل إليها علفاً.. فيخرج العلف بالجهة الأخرى لبناً.. أليس كذلك؟
- نعم هذا ما يحدث بالضبط.!
قال الرجل:
- طيب.. قل لي.. العلف الذي تدخلونه هذه الآلة.. هل هو علف جاف.. أم علف لين؟
- هو علف جاف يا أستاذ!؟
أخرج الرجل ورقة كتب عليها عدة كلمات وقال لهم دون أن يرفع رأسه:
- طبعاً لم يخبروكم أنني المختص بالعلف اللين.. ولكن سأكتب لكم مذكرة للمختص بالعلف الجاف.. وهو سيتدبر الأمر وهو في مبنى على بعد عدد قليل من الأميال.!
(3)
خرج الشباب محبطين.. وقرروا أن ينسوا فكرة الاختراع.. وأن يرجع كل منهم إلى بيته.. ولكن أحدهم كان ذو عزيمة قوية.. أصر على أن يذهبوا للمختص بالعلف الجاف.!
وهُم عند الرجل شرحوا له الموضوع.. حتى وصلوا مرحلة:
- وقالوا لنا أنك المختص بالعلف الجاف.!
أجاب الرجل دون حتى أن يطلع على أوراق المشروع:
- نعم أنا المختص بالعلف الجاف.. ولكن المشكلة ليست مشك
(1)
من العنوان يمكنك أن تستنتج أن في الأمر ديك.. وله رأس.. وهذا الرأس له نظرية.. وقصة هذا الديك وردت في أحد كتب طرائف ونوادر التراث العربي.. اقرأها معي.. وبعدها سنعرف معاً ما هي (نظرية رأس الديك).؟!
خاطب الأب البخيل ابنه:
- ويلك يا غلام آتنا غداءنا.
فأتى الولد بقصعة فيها ديكٌ مطبوخ.. تحته ثريد قليل.. فتأمل الأب الديك فرآه بغير رأس فقال لغلامه بغضب:
- وأين الرأس يا ولد؟!.
فقال:
- رميته.!
فقال:
- والله إني لأكره من يرمي برجله فكيف برأسه.. ويحك.. أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء.. ومنه يصيح الديك.. ولولا صوته ما أُريد.. وفيه عُرفه الذي يُتبَرك به.. وعينه التي يُضرب بها المثل في الصفاء.. فيقال: (شرابٌ كعين الديك).. ودماغه عجيب لوجع الكلية.. ولم نرَ عظماً أهشّ تحت الأسنان من عظم رأس الديك.. وأفترض أنك ظننت أني لا آكله.. أما قلت عنده من يأكله.. أنظر في أي مكان
(1)
هنالك نظرية غريبة وعتيقة بعض الشيء.. وهي تختص بالنساء شقائق الرجال.. سأعرضها عليكم.. وهي رجعية من وجه ما.. وقد تجد القبول المتحفظ من بعض الناس.. والرفض القاطع من آخرين.. فكّر/ فكري فيها براحتك.. ولك أن تحكم/تحكمي على صحتها أو بطلانها.. ولك الحرية المطلقة في ذلك.. وأرجو ألا تحكموا على العبد لله بأنه يُسلّم تماماً بهذه النظرية لمجرّد أنه طرحها.. فيوجد كثير من العباد لله في البلاد يطرحون نظريات وآراء للنقاش وليس بالضرورة إيمانهم المطلق بها.. فـ العبد لله مع هؤلاء.!
النظرية تقول:
- أن أصل الحكاية لكل فتاة هو (الزواج).. وأن البنت خُلقت لتتزوج.. وتُربي.. وتُخرج للمجتمع جيلا يكون فيه الخير للبلاد والعباد.. وكل ما سوى الزواج بالنسبة للفتاة هو قُشور.. وأشياء جانبية.. وليست هي لبّ الموضوع.. وكل ما تفعله الفتاة في الحياة هو عبارة عن وسيلة ما تستخدمها لتقرب نفسها من أن تستقر حياتها مع زوج كريم.. وإن قالت غير ذلك.. وأن كل ما قبل الزواج الصالح هو استعداداً له.. وكلّ ما بعده هو نتيجة وثمرة له.. والله أعلم.!
(2)
الجزء الثاني من النظرية ينصّ على أن الأب يُدخل ابنته المدرسة وقلبه على يده خوفاً عليها من نكد الدنيا وذئابها.. ولو بيده الأمر لزوّجها في بطن أمها.. وفي باله يقرر أنه ما إن تصل البنت إلى الصف الثامن.. حتى يزوّجها ويجعلها في عصمة رجل يرفع عن كاهله همّ نفسي كبير.. طبعاً هنا المنطق والمجتمع والفتاة وأمها يكبلون رأيه ويجرّدون عليه سيوف العناد بأن تواصل التعليم حتى نهايته.. وعندما تكمل بنته الفصل الثامن وهي على أعتاب الثانوي.. ولم يظهر لها عريس حتى هذه اللحظة.. يقول الأب في نفسه:
- ما دام لم يأت ا
(1)
نمط حياة الجامعة يختلف كثيراً عن خارجها.. وعندما تدخلها تجد نفسك في عالم آخر.. له قواعده وقوانينه وعاداته ومصطلحاته الخاصة به.. وكل جانب منها هو حكاية وقصة قائمة بذاتها.. أركان النقاش.. الحرس الجامعي.. كافتيريا الجامعة.. المعامل.. الاتحاد.. البينشات.. فيها الغرائب.. وفيها ما دون ذلك.. وفيها ما فوقه.. سألتقط لك عدة مناظر من داخل الجامعة.. وبالطبع ليس كل الشباب كما أوردتُ.. فمنهم الكثير من الصالحين.. وبعض الصالحات.!
(2)
الشباب الماسكين الكلية
الشلليات داخل الجامعة في الغالب تتجمع لوحدها بدون اتفاق مسبق.. تجد أن خمسة طلاب أو طالبات أو أكثر اتفقت أهوائهم على شيء.. فاجتمعوا وشكلوا مجموعة.. ومن هذه المجموعات ثلة من الطلاب تتميز بنشاط غير طبيعي .. ونشاطهم ينحصر في احتفالات الجامعة.. والرحلات.. والمعارض.. تنظيم حفلات تعارف الطلاب الجدد.. ونشاطهم الخطير الذي يتميزون به هو حجز الساوند والفنان.. وتجميع قروش الرحلة.. يحبون الرحلات كثيراً على فكرة.. يتصدرون الاعتصامات.. وفي الغالب تجد أن أنهم كسولين في الأكاديميات.. نشطاء في الاجتماعيات.!
(3)
شباب كُوُوول
أود أن أنبهك إلى أن تميز بين (كَوَل).. و(كُوُل).. الأول يتبع لـ أكلة سودانية معروفة.. وما يهمنا هو الثاني.. ويمكن ترجمة (شباب كُوُول).. بـ شباب تفتيحة.. راستة.. وغيرها.. وهم مجموعة من الشباب.. إنهم قلّة.. ولكن تأثيرهم كبير.. ويمكنك أن تطلق عليهم (الأقلية الساحقة).. يعتقدون أنه ما خُلق الطلاب إلا ليلبسون.. ويأكلون.. ويخلطون.. ويفلفلون.. ويـحفلسون – أي يذهبون إلى حدائق حبيبي مفلس- ويبلدرون – أي يلعبون البلياردو بإسراف - ويكفترون –أي غالباً ما تجدهم في الكافتريا- ثم يُبرجعون –وأقصد بها (ثم إلى بيوتهم يرجعون).. نعم أعرف أنني جنيت على اللغة العربية بهذه النحت العشوائي غير المقنن.. لكن هي خلاص بقت إلا على دي.!!؟
ومواصفات هؤلاء الشباب تجد الواحد منهم سماعاته على أذنيه طوال اليوم… ويستمع إلى أغاني أجنبية.. ومنهم من لا يفهم ما يقوله المُغني.. ومن مؤهلات الواحد منهم أنه يجيد لعب (البلاي استيشن).. ويشغل نفسه بالقشور.. ويغفل عن جلائل الأمور.. يحب الحديث ع
(1)
عندما نستخدم كلمة (شباب) في جملة مفيدة.. فإننا في الغالب نقصد بها أؤلئك الذين هم من مواليد السبعينات والثمانينات والتسعينات.. أما مواليد الستينات فيمكن اعتبارهم شباب مع الكراهة.. وقيل مع التحريم.. وعلى الرغم من أن المدة بين كل من الثلاثة أجيال متساوية.. إلا أن المسافات الفكرية كبيرة.. والنضج فيما بينهم يختلف.. جيل السبعينات أكثر نضجاً من جيل الثمانينات.. وهؤلاء أكثر نضجاً من جيل التسعينات.. وهكذا..إلخ.!
حتى في الأحجام يختلفون.. فأحجام تلاميذ السبعينات والثمانيات أكبر ممن خلفهم.. تجد الواحد من القدامى وهو في الصف الرابع.. تجده يتسلّى بفتل شاربه أثناء الحصة.. وأحياناً بنتف لحيته.. حتى أن الأستاذ قد يضطر أحياناً إلى تحذيرهم بأنه سيعاقب كل من يقبض عليه مُتلبساً بالعبث بشنبه أثناء الحصص.. وأذكر أن زميلاً لنا ترك المدرسة من الصف السابع ليتزوج.. لأنه لا يستطيع التوفيق بين الزواج والدراسة.!!
أما تلاميذ الصف الرابع اليوم لو رأيتهم لوجدتهم صغاراً.. ومن الصعب أن تراهم بالعين المجردة.. وتجد أن الواحد منهم لا يقوى حتى على كسر رغيف من النوع الفاخر.. وعندما يدخل الواحد منهم الجامعة.. ليس من المُستبعد أن يتسلّى أثناء المحاضرة بلسع ساقه بلستك الجورب/الشُرّاب.. وقد تجده وهو على أعتاب التخرج.. ولا زال مرفوعا عنه القلم.!
أما الجيل الذي وُلد في الألفية الثالثة.. فهذا سيكون أمره عجيب.. وفي الغالب سينطبق عليه قول الشاعر (ابن اللعبون):
تخامطتْ في نخا المطناخِ خامطةٌ.. والخامطون على مِرباخِها نَخَروا
من كلّ مِطنيخٍ قفحٍ أو أخي كرحٍ.. لا يستوي عنده المِحراحُ والشَحرُ
فجيل الألفية الثالثة بالتأكيد لن يستوي عنده (المحراحُ).. و(ا
(1)
تُسمى سفاسف وأحياناً هُراء.. وسفاسف الأمور أي مداق الأمور.. وورد في لسان العرب:
- أسفّ الإنسان.. أي تتبّع مداق الأمور.
والسفساف من كل شيء الأمر الحقير غير ذي أهمية.. وأرى أن المفرد سفساف والجمع سفاسف.. والله أعلم.!
وإذا لاحظت من حولك ستجد أن كثيراً من الناس يركز ويقف طويلاً عند أشياء بسيطة في مقام الصغائر.. ولا يدعها تمر بالهين.. ولنبدأ من البيت.. ربّ الأسرة أحياناً تجده من النوع الصعب الذي يحب النظام أكثر من اللازم.. لابد أن تكون مملحة الطعام موجودة في المائدة.. وإذا لم يضعوها في ذلك اليوم تجده يزبد ويرغي ويثور.. فتراه مكفهراً من الغضب.. كيف لا وهم قد نسوا الملح..! وأحيانا يغضب كثيراً لمجرد أن ابنته لم تملأ فنجان القهوة كما ينبغي.. تجده في خطأ بسيط كهذا يصفعها صفعة لو صَفعتَ بها مُغمى عليه لقام على رجليه كـ الألفِ.!
وأحياناً المدير أو الموظف يهين العامل في أشياء بسيطة.. لابد أن تكون الملفات مرصوصة بخط مستقيم لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا.. والويل له إن وضع القلم الجاف في المقلمة وسنته لأعلى.. وامرأة كبيرة السنة.. مهنتها (فرّاشة) –عاملة- ينهرها المدير والموظف –وهي في عمر أمه.. لا لشيء سوى أنها أكثرت من السكر في الشاي..!
وتجد المواطن في المركبة العامة.. من أجل عملة معدنية من فئة عشرة قروش لم يرجعها له الكمساري.. تجده يملأ الدنيا صراخاً بحجة أنها حق من حقوقه.. فتجاوز الصغائر فن لا يجيده إلا ذوي الهمم العالية.. والتقليد كذلك من السفاسف.. تجد الشابّ وحبّه لفنانه لشديد.. يحفظ له من الأغاني الكثير.. ويقلده في ملبسه.. ومشيته.. وحلاقته.. وإذا قلت له أنّ من تقلّده مجرد ذاهلٌ بهلولٌ فلا تجعله قدوتك.. قد يخاصمك ويستبدل بك صديقاً غيرك.. ولا يبالي.!
(2)
وفي مناسبات الزواج تجد كثير من الناس يهتمون بصغائر ويتشبثون بها ويعتبرونها ركن من أركان الدين.. وإذا أُلغِيت قد لا تق
(1)
كثيرٌ من الناس يحب أن يرفع ويميّز نفسه بشيء فوق ما هي عليه.. وأكثرهم لا يحب أن ينزله أحد عن مكانته قيد شبر.. وخصوصاً إذا كان من أصحاب (الدالات).. وهم الذين يتميزون بأن أمام أسمائهم حرف (د).. والدال كما عرّفها الأديب (فواز اللعبون) قائلاً:
- الدال هي حرف مختصر.. يدل على علم وأثر.. وحامله حاصل على الدكتوراه.. بعد أن أفنى في تحصيلها صباه.!
وأقصد بأصحاب الدالات هنا: الدكاترة –أستاذة الجامعات-.. أو الأطباء.. فهؤلاء أناس لا يرضون أبداً إذا ناديتهم دون (دالهم).. ونقّب في الجامعات.. ستجد أن عددا لا بأس به من الطلاب أسقطهم الدكاترة في الامتحان لأنهم تجرأوا وخاطبوهم بلقب (يا أستاذ) فقط.. وإذا نادوهم بـ (يا دكتور).. كانوا سينجحون.. لكن أصلو المكتولة ما بتسمع كلام الصايحة.!
وحتى الأطباء العموميين.. الذين لم ينالوا درجة الدكتوراه بعد.. بل والمساعدين الطبيين.. بل وحتى الممرضين.. والتمرجية.. لا يرضون بمخاطبتهم بدون لقب دكتور..!
(2)
والغريب أن الفتى يكون معك في الحي.. بل والأغرب أن يكون زميلك في الدراسة.. واختلفتم في التخصص.. أو قد يكون من معارفك.. أو قريبك وأنت أكبر منه في السن.. يغيب عنك ست سنين درس فيها الطب.. ورجع بلقب (دكتور).. وعندما تناديه بـ (يا حسن) فقط.. تجده يصكّ وجهه.. ويرتد وهو كظيم.. ويسلم عليك ببرود.. وضجر.. لأنه يرى نفسه ليس من البشر.. كيف وأنت قد خاطبته من دون دال.. وأنزلته من علاه.. ستندهش من ردة فعله.. حتى أن لسان حالك يكاد أن يقول:
- مالك يا حسن.. تسلّم علينا برأس منتفخ.. ألم نربّك فينا وليداً.. ولبثت فينا من عمرك سنين..؟
ثم تتذكر أنه قد صار دكتوراً فتقول له شعر الأديب الذي استفتحنا به:
- لحاك الله من رجل ضئيل … يتيه على أحبته بـ(دالِ)
فسبحان الذي أعطاك (دالاً)… وزادك رفعة بعد استفالِ
ولست أدري ما هو الشعور الذي ينتاب الدكتور أو المهندس أو القاضي أ









